كتاب وأراء

ما مدى حرية الإعلام؟

لا أتحدث عن الحرية السـياسـية وهي أول ما يتبادر إلى الذهن عـندما نتحدث عن حرية الإعلام، بل عن حرية الوسـيلة الإعلامية في نشر ما تريد، فمن المعـروف أن الأجهـزة الإعلامية تعـتمـد عـلى الإعلان كدخـل رئيـسي لهـا، إلا إذا كانت الوســيلة (صحيـفـة أو إذاعة أو تليفزيون) مملوكة للدولة، أو مملوكة لحزب يمولها، أو تتلقى دعماً مالياً من جهة ما. وثمة علاقة معـقدة بيـن التحـريـر والإعلان، وبرأيي أن الإعـلان يأتي حسـب نجـاح التحرير، لأن هذا ما يجعل الوسيلة الإعلامية ناجحة.
السـؤال الذي أطرحه وأتمنى أن يشـترك الجميع في مناقشته: ما حدود خـضوع الوسـيلة الإعـلامية للإعلان؟ هل تجعـل الوسـيلة الإعلاميـة نفسـها رهـينة الإعـلان؟ هل تعـترف الوسيلة الإعلامية بأن ما يهمها الربح بغض النظر عن أي أمر آخر؟ أم أن ثمة قيماً يجب عليها أن تضعها في حسبانها؟
أترك الوسائل الإعلامية الأخرى وأركز حديثي على التليفزيون، ولدينا أكثر من 1400 قناة تليفزيونية عـربية، معظمها قنوات خاصة يهمها الربح بالدرجة الأولى، فإذا لم تكن القناة مكرسة لخدمة «أيديولوجيا» يفرضها مالكها وممولها، فهل يحق لها أن تستهتر بكل شيء في سبيل تحقيق الربح؟
تبث قنوات تليفزيونية كثيرة إعلاناً عن نوع من المنظفات والمطهرات يخالف العقل والمنطق، ويخالف قواعد الصحة العامة، فالمؤكد طبياً أن الصابون لا يقضي على الجراثيم والفيروسات، ولكن الإعلان يؤكد أن هذا المنظف يقضي بنسبة 100 % على مائة نوع من الجراثيم، وأراهن أن الذين أعدوه أنفسهم لا يعرفون مائة نوع من الجراثيم ولو أننا سألنا أي طالب طب لقال إن هذا الكلام دجل دعائي، والخطورة أن يصدق بعض الناس هذا الدجل ويتصرفوا على هذا الأساس، لاسيما أن الإعلان يبث عشرات المرات يومياً من قنوات متعددة، وبطريقة غبية يأتي بكاميرا تصور الجراثيم، هل سمعتم يوماً بمثل هذا الدجل؟ كيف تسمح الجهات المعنية ومنها الطبية بتكرار هذه المهزلة؟
نأتي إلى قنوات المنوعات، وتمتلئ بالبرامج السخيفة التي تستجدي الضحك، دون البحث عن أي قيمة فنية أو فكرية، إلا إذا كان تسطيح العقل وتهميشه هدفاً أكبر لها. أما القنوات التي تعرض أعمالاً أجنبية (أميركية تحديداً) فلا يهمها أن تتضمن هذه الأعمال إساءة للعرب والمسلمين بصورة فجة، ودعاية لإسرائيل والصهيونية، و«هوليوود» مخترقة منذ نشأتها صهيونياً، ومن أصل ألف فيلم كان هناك 25 فيلماً فقط قدمت العرب بصورة إيجابية.
هل ندعو إلى عودة الرقابة المشددة؟ أم إلى ميثاق شرف؟ أم نناشد ضمائر هؤلاء الناس أن يخففوا خضوعهم لمنطق الربح بغض النظر عن أي شيء آخر؟

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين