كتاب وأراء

المقارنة تولد الأفكار .. المواطن المقارن وصناعة الوعي الغاضب

لا يوجد إنسان لا يقارن، منذ الأزل وإلى الأبد سيظل الناس يقارنون بعضهم ببعض. من أغنى وأقوى وأجمل وأعلم وأرحم وأهدأ وهكذا. البشر اعتادوا أن يميزوا وأن يتمايزوا، ولهذا فهم دائماً يقارنون أنفسهم تقريباً في كل شيء، ليس فقط كأفراد وإنما أيضاً كأمم ومجتمعات. منذ فجر التاريخ والمقارنات لا تتوقف بين الحضارات والأديان وطرق الإدارة واللغات وكل ما يخطر على البال. ولأن المقارنة مغروسة في الضمير الإنساني، فلم يكن غريباً أن يصبح المنهج المقارن من أهم مناهج البحث العلمي.
ولولا هذا المنهج لما توصل العلم إلى كثير من النتائج المثيرة التي غيرت وعي الناس بذاتهم وبالآخرين, واللطيف في المقارنة أنها تقبل أن تكون بين أشياء متشابهة لتحديد أوجه الاختلاف بينها، أو بين أشياء مختلفة لمعرفة مظاهر التشابه التي تجمعها، الدول العربية مثلاً تتشابه في أمور كثيرة، لكن تبقى لكل منها خصوصية فارقة تعطي لكل بلد فرادته، ولعل عدم الإقرار بتلك الخصوصية هو ما أحال كل نداءات الوحدة العربية إلى سراب وأوهام، أما الرأسماليون والاشتراكيون والإسلاميون وإن اختلفوا في تصوراتهم ومنطلقاتهم إلا أن وجهاً مشتركاً يظل يجمعهم وهو البحث عن الطريق إلى العدالة الاجتماعية.
المقارنة هي التي صنعت التاريخ الإنساني لأنها تولد الأفكار، والأفكار هي التي تدفع الناس إلى الحركة لتطبيقها واختبار صلاحيتها، المقارنة هي التي تصنع وعي الإنسان بذاته وبمن حوله، وقد تحولت المقارنة بعد أن ضاقت المسافات بفضل الإنترنت والفضائيات وكل وسائل الاتصال الحديثة إلى أسلوب حياة، فالناس يقارنون عندما يسافرون أو يقرؤون أو يسمعون أو يشاهدون، يقارنون بين ألوان الموسيقى وأشكال الطعام ونظم الإدارة وجبروت النظم السياسية، ومن يقارن لا بد أن يصنف ويرتب ليحدد من يتربع على القمة ومن يقف في الوسط ومن ينتهي عند القاع. وهذا ما تفعله مقاييس المقارنة التي باتت مراكز البحوث والمعاهد العلمية والمنظمات الدولية تقدم الكثير منها سنوياً.
أتيحت للناس عبر العالم مقارنات بالأرقام حول نصيب كل منهم مثلاً من السعادة والدخل السنوي والعمر المتوقع عند الميلاد، في دقائق معدودة يمكن لكل إنسان أن يقارن حالة الفساد في بلده بالوضع في باقي البلدان أو بين وضع الحريات فيها أو مكانة جامعاتها بين جامعات العالم، يستطيع أن يقيس قدراتها التصديرية مقارنة بغيرها أو يقارن بينها بحسب عدد الوفيات ونسبة الأطباء لكل ألف نسمة وكفاءة الجهاز الإداري وأوجه لا حصر لها من الجوانب والأبعاد.
تحول الإنسان في كل البلدان إلى مواطن مقارن، البعض يتتبع الإحصاءات ويهتم بها، لكن الأغلبية تلجأ إلى المقارنة بالإحساس للحكم على ما تراه رأي العين حول العالم من مشاهد.
ومن خلال المقارنات بالأرقام وبالإحساس يتشكل وعي المواطن، بعضهم يقارن فيفتخر بنفسه ويفاخر ببلده، والبعض الآخر يقارن فيغضب من نفسه ويحبط من كل ما يجري في بلده. المقارنة طريق يدفع الناس إما إلى الشعور بالفخار أو الإحساس بالانكسار.
ومع أن المقاييس العالمية عن الدول العربية ليست كلها رديئة إلا أن كثيراً منها بات محبطاً، يكفي أن مقياس الدول الفاشلة يضع منذ عدة سنوات عدداً من الدول العربية ضمن أكثر بلدان العالم إخفاقاً ويدرج عدداً آخر منها في دائرة مخاطر تقترب من حالة الفشل.
ولم يكن غريباً لهذا السبب أن يتراكم الوعي الغاضب لدى المواطن العربي، الذي بات مواطناً مقارناً بامتياز، وبالذات الشباب الذين يعتبرون أكثر العرب انفتاحاً على العالم.
ولم يكن خروجهم قبل خمس سنوات في هبات غاضبة ناتج فقط عن مظالم داخلية وإنما أيضاً بدفع من تساؤلاتهم المتكررة عن سبب سوء الأوضاع في بلادهم مقارنة بجودتها في بلاد أخرى غيرها، قارنوا فغضبوا فتغير وعيهم فتحركوا، هذه قاعدة إنسانية لن تتغير، ولا يمكن في ظل الفضاءات المعرفية المفتوحة إلا أن يزداد شغف المواطن المقارن بالمقارنة، وأن يتضاعف وعيه الغاضب طالما ظلت دعوات التغيير التي تفرضها تلك المقارنات تلقى أذناً من طين وأذناً من عجين.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات