كتاب وأراء

فوز للفلبين وخيبة أمل للصين

رفضت محكمة العدل الدولية في 12 يوليو الجاري مزاعم بكين حول حقوقها في بحر الصين الجنوبي، وسيادتها الكاملة على ما بها من شعب مرجانية وجزر والتي تدعي مجموعة من دول جنوب شرق آسيا السيادة عليها أيضاً، قائلة إنه لا يوجد دليل على صحة ما تزعمه الصين من أنها مارست عبر التاريخ أي سيطرة على المياه والأراضي والموارد في تلك المنطقة.
وبهذا فإن المحكمة أيدت وجهة نظر الفلبين التي رفعت إليها دعوى ضد الصين في أوائل 2013، بعدما استنفدت كل الوسائل الدبلوماسية لحل النزاع سلمياً.. كما أكدت المحكمة بهذا الحكم أن الصين انتهكت حقوق السيادة الفلبينية، ناهيك عن إلحاقها أضراراً بالبيئة من خلال بنائها جزراً اصطناعية في المنطقة.
وجاء هذا الحكم، الذي رحبت به طوكيو وواشنطن والدول الآسيوية المعنية، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي وقعت عليها بكين ومانيلا. فاليابان مثلا قالت على لسان وزير خارجيتها «فوميو كيشيدا» بـُعيد صدور الحكم أن الحكم نهائي وملزم قانونياً وأنّ على الأطراف المعنية الالتزام به.. وهذا صحيح لأن أحكام محكمة العدل الدولية ملزمة، لكن الأخيرة لا تملك الصلاحيات الكفيلة بتنفيذها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاحتقان في المنطقة ليس إلا، خصوصا حينما نأخذ في الاعتبار التدخلات الأميركية المريبة فيها.
وإذا ما استعرضنا تدخلات واشنطن كرونولوجياً، فإننا نجد أنه في أكتوبر 2015 أرسلت واشنطن المدمرة «يو إس إس ليسن» صوب الجزر المتنازع عليها، فاستنكر الصينيون عليها ذلك وأرسلوا إليها تحذيرات، واصفين تحركاتها بالعمل الاستفزازي الذي يستلزم الرد بحزم، فيما رد الأميركيون بالقول أن مدمرتهم كانت تقوم بعمل روتيني وفقاً للقانون الدولي.
وفي نوفمبر من العام الماضي بدا أن الأميركيين غير مكترثين بالتحذيرات الصينية.. إذ قال كبار مسؤوليهم إن واشنطن ستسير دوريات بحرية في المنطقة مرتين أو مرة كل ثلاثة أشهر من أجل ضمان حرية الملاحة في المنطقة لأن ذلك من صميم المصلحة الاستراتيجية الأميركية.. إلى ذلك قال قائد القوات الأميركية في المحيط الباسفيكي «إنّ قواته ستواصل الإبحار والتحليق في كل مكان وكل زمان يسمح به القانون الدولي، وأنّ بحر الصين الجنوبي ليس استثناء وليس حكراً على بلد بعينه».
وفي يناير 2016 قامت المدمرة أميركية «يو إس إس كورتيس ويلبر» الحاملة للصواريخ بالابحار على مسافة 12 ميلاً بحرياً من جزيرة تريتون، إحدى جزر المنطقة المتنازع عليها، فوصفت الخارجية الصينية هذا العمل بالانتهاك المتعمد للمياه الإقليمية للصين، وقامت بكين بعمليات مراقبة عن كثب وتوجيه إنذارات متتالية، فيما قال الأميركيون أنّ عملهم كان بريئا واستهدف منع بكين وتايبيه وهانوي من أي محاولة لتقييد حقوق وحريات الملاحة في تلك المنطقة التي يمر بها أكثر من 5 مليارات دولار من حجم التجارة العالمية سنويا.. فرد الصينيون متهمين واشنطن بأنها أحد الأسباب الرئيسية لعسكرة المنطقة.
وفي أبريل المنصرم نددت واشنطن بقوة قيام طائرة عسكرية صينية بالهبوط للمرة الأولى على جزيرة اصطناعية أنشأتها بكين في المياه المتنازع عليها، قائلة إن مدرج الهبوط الذي بناه الصينيون هناك بطول 3 آلاف متر يدل على نيتهم في استخدامه لأغراض عسكرية، فردت بكين بنفي وجود أي نوايا عدوانية لها، مفسرة الحدث بأنه كان مجرد تلبية لنداء استغاثة لإجلاء ثلاثة من عمالها المرضى.
والجدير بالذكر أن الصين استبقت صدور قرار محكمة العدل بإجراء مناورات عسكرية ضخمة في المنطقة بغية تأكيد سيادتها عليها.. وفوق ذلك أوعزت إلى صحيفة غلوبال تايمز المملوكة للدولة بانتهاج خطاب قومي حماسي ضد واشنطون، وترديد مقولات من قبيل ضرورة الاستعداد للدخول في مواجهة عسكرية مع كل الجهات الساعية للنيل من السيادة الصينية، وضرورة بناء قوة عسكرية «قادرة على أن تجعل واشنطون وحليفاتها تدفع ثمنا لا يمكن تحمله إذا ما فكرت في استخدام القوة لحل هذا الملف».. إلى ذلك أعادت بكين نشر خريطة تفصيلية لمزاعمها تقول أن جزر ارخبيلي «باراسيل» و«سبراتلي» والمياه المحيطة بها وما في باطنها من ثروات طبيعية جزء لا يتجزأ من ممتلكات الأمة الصينية منذ القدم، علما بأن تايوان، التي تعتبرها الصين إقليما متمردا، تطرح المزاعم نفسها.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني