كتاب وأراء

المحكمة الجنائية .. مسمار آخر على النعش !

لا أجد داعياً الآن للحملة الإعلامية والقانونية، المُناهِضة للمحكمة الجنائية الدولية، وإعادتها مرة أخرى للأضواء.. حتى ما يُسمى بالمجتمع الدولي، لم يعد يتحدَّث عنها أو يُلوِّح بعصاها، كما أن أشرس معارضي الحكومة السودانية باتوا لا يستخدمونها ككرت سياسي ضدها. خلال عشر سنوات، ثبت بالوقائع والحيثيَّات والمُقارنات، أنها محكمة مُسيَّسة، تفتقد للنزاهة والاستقامة الأخلاقية، وتعتمد على معايير مزدوجة، ومُلوَّثة بالغرض وجراثيم الكيد؛ إذ تُغمض عيناً عن دول وحكومات وتفتح الأخرى بوقاحة على آخرين!
وقبل أيام أفادت صحيفة بريطانية بأن رئيسة المحكمة الجنائية الدولية تواجه مطالبات بالاستقالة من منصبها بعدما تبين أنها ربما تكون قد تلقت رشى بملايين الدولارات من أجل أن توجه اتهامات للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم في إقليم دارفور.
وذكرت صحيفة «ذي لندن إيفينينغ بوست» أنها حصلت على معلومات تفيد بأن رئيسة المحكمة الجنائية الدولية الأرجنتينية المولد سيلفيا أليخاندرا فيرنانديز دي غورمندي تلقت -بين عامي 2004 و2015 في حساباتها المصرفية الخاصة في مصارف «بانكو بوبيولار» في جزر فيرجن و«فيرست كاريبيان بانك» في جزر البهاما، وجماعة بني إسرائيل أموالا تربو على 17 مليون دولار أميركي استُخدمت على ما يبدو في رشوة شهود، مما ساعد المحكمة في اتهام الرئيس السوداني.
المسمار الأول الذي دُقَّ على نعش الجنائية، كان بأيدي الجماهير السودانية التي خرجت للطرقات بصورة عفوية مناهضة لها، عقب إعلان قراراتها في حق الرئيس البشير عام 2007م. خرجت الجماهير لتلتفَّ حول سيارة الرئيس البشير المكشوفة، أثناء عودته من وادي سيدنا إلى قلب الخرطوم.
أعقب ذلك زيارات الرئيس البشير الخارجية (من الأولى إلى الدوحة، وحتى الأخيرة إلى نواكشوط)، حيث ألحقت تلك الزيارات هزيمةً معنويةً وفعليةً بالمحكمة وبمناصريها، وأكدت عدم جدوى قراراتها، وبالتالي عدم جدوى وجودها في الأساس.
استطاع الرئيس عمر البشير، بتحركاته وتصريحاته، أن يهزَّ صورة المحكمة الجنائية، وأن يُضعِف من اعتبارها القانوني، والأهم من ذلك أنه استطاع أن يُجَرِّئَ الكثير من الدول عليها، خاصة دول الاتحاد الإفريقي وما يوري موسفيني ببعيد.
حتى الحملة الإعلامية الشرسة، التي صاحبت زيارة الرئيس البشير لجوهانسبرغ، كان يريد من خلالها مناصرو الجنائية اقتناص الفرصة الأخيرة، لإنقاذ سمعة المحكمة ورد الاعتبار لها عَقِبَ، ما لحق بها من أذى وضرر في الفترة الأخيرة.
دخول الرئيس البشير إلى دولة جنوب إفريقيا، العضو في المحكمة الجنائية وخروجه منها، عائداً إلى السودان، كان بمثابة المسمار الأخير في نعش المحكمة الجنائية.
الحديث المتكرر والكتابات المتشابهة عن المحكمة، يعطيان انطباعاً بأنها لاتزال تمثل خطراً وهاجساً للحكومة السودانية. الجنائية الآن كيانٌ ميتٌ في انتظار مواراته الثرى، فلا تُحيوا ذكره ولو بالاتهامات والإساءات!
تحققت نبوءة يان برونك، المبعوث السابق بالسودان للأمم المتحدة، حين أدرك ما ستُفضي إليه مذكرة الجنائية منذ ميلادها المشؤوم.
فقد قال لصحيفة «التلغراف» الهولندية: (لن تتم محاكمة الرئيس السوداني في لاهاي، لكونه يعيش آمناً في وطنه.. وهو قليل السفر للخارج، وحتى إذا قرر الرئيس السفر لدولة إفريقية فلا خوف عليه.. فكل دول الاتحاد الإفريقي تقف من خلفه. كما أن صدور أمر القبض في حق الرئيس السوداني قوّى من موقفه داخليّاً وإفريقيّاً، فكل دول الاتحاد الإفريقي تقف من خلفه. كما أن صدور أمر القبض في حق الرئيس السوداني قوّى من موقفه داخلياً وإفريقياً).
نعم.. برونك له معرفة واسعة ودقيقة بالسودان، ويعرف كيف تتشكل قناعات الجماهير في تلك البلاد، التي عمل بها لأكثر من عامين. وانتقد برونك في ذلك الحوار لويس مورينو أوكامبو، الذي بدلاً عن أن يجعل من المحكمة الجنائية أداة من أدوات العدالة حوّلها لسلاح صدئ من أسلحة الصراع!

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال