كتاب وأراء

رِيشَتي مِن نِيُويوركْ!

- يا الله كم فهمنا يقصر رغم بروز الشواهد في كل مكان، فليغفر لنا الله التقصير وسوء التفكير والتدبير، أجلس اليوم وأنا أكتب هذه الريشة الجديدة مقابل إحدى ناطحات السحاب في نيويورك الشاهقة التي تحاصرك بغرورها العمراني في كل مكان، فتجعل نَفَسَك بها مقننًا أكثر فأنت تتشاطر الهواء مع تعداد سكاني كبير ومضغوط يتزايد على 50.666.542 نسمة، فنيويورك (العاصمة الاقتصادية) هي عمدة الولايات الأميركية أجمع، حيث تتفوق بريادتها في مجالات الإعلام والتكنولوجيا والتعليم والعلوم والتجارة وغيرها، وكان أكثر ما لفتني في هذه المدينة المشغولة تنوعها الديني والأيديولوجي، فيا الله كم يختلف البشر وكم تجمعهم كل الشواهد في روح وجسد، ولولا المحبة الإنسانية لما تعايشت المجموعات البشرية الكبرى في هذه العواصم، ولما حافظت على جذورها الدينية والمذهبية رغم كل أشكال الانصهار الثقافي التي يتعرضون لها بشكل اختياري وجبري، إنّهُ يكفينا النظر في كل هذه الطبقات الدينية الفسيفسائية هنا أن ندرك أن هناك مجالاً للتعايش والتوافق إذا ما ابتعدنا قليلاً عن الفراغ الذي يولد لدينا مساحات للنظر السلبي في ذواتنا وفي الآخرين، وإذا ما ابتعدنا كذلك عن تسييس الأديان وتعميم الأخطاء على أتباع الملل والنِحَل، بالطبع أنا أتحدث عن أجمل ما رأيت في ذلك، وبالتأكيد كانت هناك تجارب اضطهاد ديني تقف جنبًا لجنب الاضطهاد العرقي الذي مورس هاهنا، ولكن كان لابدّ من إشارة لوضع غالبية الكتل البشرية المنشغلة كُليًا عن ما يزُج به الإعلام من تلبيس إبليس وعن كل ما هو رؤية متطرفة عنصرية للذات ومجحفة لحقوق الآخر في الإيمان والمعتقد، وعليه لابدّ على البشرية جمعاء أن تنشغل عن كل ما يثير الفروقات الدينية والمذهبية، خاصة في هذه الفترة المحقونة والمسيسة تمامًا في تاريخ البشرية الديني!
- منذ زمن ترعرت في بلاط صاحبة الجلالة (الصحافة التقليدية)، وكنت أرفض دومًا الانتساب لامتداد البلاط الجديد (الصحافة الإلكترونية)، فكنت أجد إلى حينٍ قريب أن الصحافة المطبوعة لها رصانتها وحدودها الإعلامية (الجادَّة) وفي المقابل كنت أؤمن (من باطل!) أنَّ المحاولات الكثيرة في شرقنا الأوسطي وعالمنا العربي والخليج تحديدًا للشروع في خط (صافي) من الصحافة الإلكترونية هي عبثٌ ومشاريع غير مؤثرة وبالكاد تصل إلى مستوى الصحافة الأصيل، ومن عامين تغيرت نظرتي كليًا، وأعتقد أن الكثير مثلي لا محالة، فالصحافة الإلكترونية أثبتت جدارتها ورصانتها الإعلامية في الانتشار عالميًا وبرزت قدرتها الفذّة على التغطية الحية والآنية والأهم (المتواصلة) لميادين الأخبار وأصبحت وكالات الأنباء العالمية تعتمد على عدد من الصحف الإلكترونية النشطة كمصدر لأخبارها؛ فتقوم بعملية دفع مبالغ كبيرة لاحتكار أخبار مراسليها أو احتكار صحفييها كمراسلين لديها، وبالفعل وجه الإعلام الدائم انقلب واقتنعت كما اقتنع الجميع بجدوى الإعلام الجديد وبالتحديد ما يخص الصحافة الإلكترونية، وابتداءً من النصف الثاني لهذا العام انضممت بدوري لكتاب الصحيفة الإلكترونية السعودية (بثّ) الإخبارية، والتي أكتب بها مقالاً دينيًا كل أسبوع وذلك في إطار تخصصي الآخر الذي يقف جنبًا إلى جنب الإعلام وهو مقارنة الأديان، وأعتقد أنّه حان وقت التفكير الجاد في نقل المطبوع إلى مرحلة أقل كلفة وأكثر رفاهية وسرعة والتحول إلى شكل البوابات الرقمية ذات التغذية الآنية السريعة!
- قد عصفت بالنسائية في شرقنا الأوسطي بشكل خاص وفي عالمنا المترامي الأطراف بشكله العام عصوووورٌ من الإجحاف والظُلمِ والظَلام، كانَ قد آن لها أن تنقشع منذ حين بعيد! آن للأنثى المحشورة في زاوية المجتمع أن تخرج من تحجيم الآخر لها لأي سبب كان أولها النظرة إليها من خلال الجندر (الجنس)! وإنجاب الأطفال وفقط! بالإضافة إلى تحجيم دورها في عملية الإنتاج والتنمية وربط اكتمال دورة حياتها باقترانها الناجح أو حتى المستمر بالرجل!، يبقى أن نظرة الآخر فرداً أو جماعة للمرأة كلامٌ يُمَلُ الحديث عنه فما بالك بالكتابة فيه، ليس على المرأة إلا أن تنظر في مرآةِ ذاتها لتعبر عن ذاتها أكثر وتخرج من تلك الأغلال القديمة، لتصافح فُرصَ الحياة بجرأة وإقدام وتصعير لبعض خزعبلات العادات والتقاليد البالية وتتفيه لكل من يجدها (دلالةً): آلةً أو زينةً أو مخللاً!!!
- بعض علاقاتنا الإنسانية لا تتعدى (وبتمام الأسف) شكل العائل والطفيل، فمتى ما كانت المصلحة والاستفادة جاد رونق العلاقة وللأسف الشديد بعض البشر وإن أحسنتَ اليهم في القول والعمل لا يسعون إلا للاستفادة البحتة من ظرف وجودك في حياتهم وإلباسك أيُ جميلٍ لم يصنعوه لك حقًا، والبعض على العكس تمامًا بلسمٌ سلسبيل يحبونك حبَ الأخوة المطلق ويسعون لخيرك معهم، معهم الخير كريم يمكنه أن يقسم على اثنين أو ثلاثة أو على الجميع، هؤلاء تستحي منهم ومن إحسانهم ومن نيتهم الدائمة لخيرك دون أي توقع.
- ثَمةَ فرقٌ هائل بينَ من يدعوكَ إلى «الذاتية» تلك النزعة السافرة الناضحة بالنرجسية والتي تجعلك تنصب ذاتك كمركز ومحور للوجود، وبين ذاك الذي يدعوك لتتخذ موقفاً (فردانياً) وأن يكون لكَ طريقٌ واضح تشُق من خلاله حياتكَ وسلوككَ وممارساتك (كفرد) مستقل حر طليق لا ينتظر عضيدًا أو شريكًا في حالة السكون كما أنه يتفاعل بالعطاء والتضحية في حالة الجمع، فالأولى تدعوك إلى الانصهار في ذاتك وتبجيلها وبالتالي تعطيلها والثانية تدعوك إلى الاعتداد بها وتقديرها وبالتالي تفعيلها.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي