كتاب وأراء

الشعراء لا يموتون

الشعر ليس ترفاً نخبوياً، كما يعتقد البعض. ليس تلك المزهرية الثمينة التي تزين أرفف الأثرياء. عندما أزيح الشعر، ونضب الشعراء تحولنا لماديين، سطحيين وقساة. هكذا فكرت حينما وجدتُ جوجل يحتفل بالذكرى 79 لميلاد الشاعر الأنقى كما يسميه أدونيس، أو كما قال عنه الشاعر عبد المنعم رمضان: «في شعر أنسي الحاج هاجس يصدم شعراء جدداً كثيرين بات شائعاً لديهم هذه الأيام تمجيد البراءة، براءة المعرفة. أنسي يرفض تلك البراءة، كأنها أتربة علقت بجسد من الأفضل أن يغتسل لنراه عارياً. شعر أنسي سيرينا هذا العري، ولغة شعره ليست كساءً شفافاً، ليست غيمةً، ليست وسيلةً ولا غايةً. إنّها الجسد العاري نفسه حيث عريه معرفة، وحيث معرفته عري»
الفن إجمالاً هو المعيار الحقيقي لحضارة الشعوب. الذين لا يهتمون بالفن يعتقدون أنه مجرد عبث، شيء إضافي لا قيمة حقيقة له. تخيل شخصين واقفين أمام شروق الشمس. أحدهما تأمل الشمس وهي تملأ العتمة بوهجها المبهج، فقال: الله وامتلأت روحه بالحماس والحب والإيمان. الآخر نظر للشروق ثم فكر الطاقة الشمسية ومدى استفادة العقل البشري منها، وآخر ما توصلت له الدول العالمية في استغلال الطاقة الشمسية. هذا هو الفرق بين الحياة بوجود الفن، والحياة بلا فن. الفنون تضفي الروح والشغف والإيمان للأرواح المتعبة.
عودة لأنسي الحاج، الشاعر اللبناني الذي تحتفل جوجل بميلاده، الشاعر الذي قيل عنه أنه من ضمن الذين يعتبرون آباء القصيدة الحديثة. من الذين خففوا أحمال الشعر من ثقل القافية والوزن، أطلقوها للفضاء الرحب. أصبحت القصيدة كزجاجة عطر تحوي عصارة الأزهار. تلك العصارة التي هي معنى الزهرة. بعد أن كاد ينحو الشعر منحى خطرا نحو الخواء واللامعنى والهوس بالموسيقى والأوزان. كاد الشعر أن يتحول لمجرد أغنية بلا كلمات، بلا روح. إيقاع فارغ لا أكثر. إن هؤلاء الذين انتشلوا القصيدة يستحقون أن نحتفل بهم، لأنهم انقذوا أرواحنا من الظمأ المخيف، من جمود الحياة. هكذا حين يكتبون: «لمنْ يدّعي التُخمةَ، الجوعُ، ولمن يعلن السأمَ، لدغةُ الهُيام، ولمن يصيح «لا! لا!»، ظهورٌ موجع لا يُرَدّ، في صحراء اليقين المظفَّر. ظهورٌ فجأةً كدُعابة، كمسيحةٍ عابثة، كدُرّاقةٍ مثلَّجة في صحراء اليقين، ظهوركِ يَحني الرأسَ بوزن البديهة المتجاهَلَة، فأقول له/ نعم! نعم.. وإلى الأمام من الشرفة الأعلى. كلّما ارتميتُ مسافة حبّ، حرقتُ مسافةً من عمر موتكَ، كائناً من كنتَ.. ترتفع، تمضي، واصلةً إلى الشجرة الأم، أيتها الأم الأولى، أيتها الحبيبة الأخيرة، ياحريق القلب، ياذهب السطوع وشمس النوافذ،يا خيّالة البرق المبصر وجهي، يا غزالتي وغابتي.

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش