كتاب وأراء

كراهية المسلمين وليس حقوق المسيحيين

تشكلَ في الولايات المتحدة تنظيم جديد أُطلق عليه اسم «جماعة معاداة وكراهية المسلمين». يترأس هذا التنظيم اسقف ومبشّر من الكنيسة الانجيلية المتشددة في الجنوب الأميركي يدعى فرانك غافني. ويترأس غافني في الوقت ذاته منظمة انجيلية ثانية متشددة تعرف باسم «المركز الجنوبي»، وهو حامل لواء اتهام الرئيس باراك أوباما بأنه كان مسلماً.. وانه ربما لا يزال يحتفظ سراً بإسلامه!! أول عمل قام به غافني بعد تشكيل «جماعة معاداة وكراهية المسلمين» هو دعوته إلى مؤتمر عقد في الاسبوع الماضي في واشنطن تحت شعار: «الدفاع عن حقوق المسيحيين في الشرق الأوسط».
لم يقتصر المشتركون في المؤتمر على الانجيليين المتشددين من الجنوب الأميركي ومن المنضوين تحت لواء الحزب الجمهوري فقط، ولكنه شمل أعضاء في الكونغرس وحتى موظفين في الإدارة الأميركية بما في ذلك وزارة الخارجية.
وقد وفرت هذه المشاركة للمؤتمر بعداً سياسياً رسمياً على الرغم من الاعلان على انه مجرد حركة مدنية متعاطفة مع مسيحيي الشرق.
ليست المشكلة في مبدأ الدفاع عن حقوق هؤلاء المسيحيين الشرقيين، ولكن المشكلة هي في اتهام المسلمين بالمسؤولية عما أصابهم من ظلم واضطهاد وتهجير، ومن ثم تحميلهم الثمن. ومن هذا الثمن تبرير مشاعر العداء والكراهية ضدهم، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في العالم كله.
ومن هنا تجري عملية ربط الاعتداء على مسيحيي الشرق بالجرائم الإرهابية التي تتوالى في عدد من المدن الأميركية والأوروبية والتي تبنّتها «داعش»، دائماُ وفي كل مرة!!
ويتعاون مع غافني في إطلاق هذه الحركة، جنرال متقاعد في الجيش الأميركي، شارك في الحرب الأميركية على العراق في عام 2003، وهو الجنرال وليام بوبكين، ويتباهى بوبكين بأن مشاركته في الحرب قامت على اساس الوصف الذي أطلقه الرئيس جورج بوش على تلك الحرب، وهي انها حملة «صليبية جديدة».
ويقول بوبكين ان هذه الحملة لا تزال مستمرة حتى الآن، وان حدودها لا تقتصر على العراق أو حتى على الشرق الأوسط، ولكنها تمتد إلى كل مكان في العالم يتواجد فيه مسلمون، بما في ذلك، وخاصة الولايات المتحدة.
أدركت القيادات الدينية والسياسية المسيحية في العالم العربي خطورة استغلال معاناتهم على يد هذه الحركات العنصرية، فقررت رفض الاستجابة للدعوات التي وجهت اليها للاشتراك في المؤتمر الذي نظمه الثنائي غافني وبوبكلين.
فقد كان واضحاً ان الهدف من المؤتمر ليس الانتصار لمسيحيي الشرق، ولكن الهدف منه هو تسعير مشاعر الكراهية والعداء ضد مسلمي الغرب، وضد الإسلام عموماً!!
وبالفعل أعطى المؤتمر المنبر لمجموعة من المتحدثين الذين ارتدّوا عن الإسلام واعتنقوا المسيحية الانجيلية المتطرفة، فكانت مداخلاتهم (التي أملاها التزلف للسيد الجديد وصاحب النعمة التي أغدقت عليهم ثمناً لارتدادهم)، أشد عنفاً وأكثر كراهية، وقد دارت مداخلاتهم حول اتهام الإسلام نفسه بأنه مصدر الإرهاب ضد كل من هو غير مسلم، وان هذا الموقف العدائي الرافض للآخر المختلف هو في اساس الدين وليس مجرد نزوة عابرة من نزوات التطرف!! وفي محاولة لإعطاء المؤتمر بعداً موضوعياً، فإن الكلمات التي ألقيت لم تقتصر على الدفاع عن حقوق المسيحيين وحدهم، ولكنها تناولت حقوق الأقليات الأخرى ( الأزيديين والأكراد تحديداً).
وفي كلمة الافتتاح التي ألقاها المبشر الانجيلي غافني، قال: «اننا على ثقة من ان إلهنا سوف يحقق لنا النصر.. لأنه أكبر وأهم من إلههم (؟)».
هذا المنطق المجبول بالكراهية ضد المسلمين ليس منطق حفنة قليلة من المتعصبين، انه منطق المرشح الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة دونالد ترامب أيضاً، وقد عبّر عنه مراراً في مهرجاناته الانتخابية، وكان آخرها في الاحتفال الذي نظمه الحزب الجمهوري في كليفلاند لتكريسه مرشحاً وحيداً عن الحزب للرئاسة الأميركية.
في العام الماضي جرى تنظيم مؤتمر مماثل في واشنطن، وقد استدرج اليه بعض القيادات المسيحية، وقاطعته قيادات أخرى، أما هذا العام فإن مقاطعة القيادات المسيحية العربية والمشرقية كانت شاملة.
وربما تعود هذه المقاطعة إلى المحاولة الفاشلة التي جرت في العام الماضي لضمّ اسرائيل كقوة شرق أوسطية يمكن الاعتماد عليها في محاربة ما يسمى الإرهاب الإسلامي الذي يستهدف مسيحيي الشرق، وقام بالمحاولة اللوبي الصهيوني في واشنطن عبر احد أعضاء الكونغرس، ولكن القيادات المسيحية العربية تنبهت للأمر، وانسحبت من المؤتمر.. وهذه المرة قاطعته بالكامل.
في عام 2010 عقد في الفاتيكان مؤتمر – سينودس- خاص بمسيحيي الشرق برئاسة البابا السابق بنديكتوس السادس عشر، وقد انتهى المؤتمر إلى إصدار وثيقة رسمية أعلنها البابا نفسه من بيروت، أكدت على ان الدفاع عن مسيحيي الشرق يكون باحترام حرياتهم كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات. ولا شك في ان احترام هذه الحقوق يقطع الطريق أمام سوء توظيف واستغلال المعاناة التي تعرضوا لها.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك