كتاب وأراء

حول تصنيف الإرهاب.. بين الإرهابيّ والمختل العقليّ

يحار المشاهد والقارئ العربي لوسائل الإعلام العالمية وخاصة الغربية منها في تصنيف الإرهاب والإرهابيين وفي تقييم أعمال العنف وتصنيفها. فبعد الاعتداء الأخير الذي شهدته ألمانيا والذي قام به ألماني من أصل إيراني «دافيد علي سنبلي» لم نعد نعلم لماذا لم يصنّف الاعتداء على أساس أنه اعتداء إرهابي خاصة مع توفر كامل الشروط الموضوعية التي تصنفه على هذا الأساس.
فبالأمس القريب تم تصنيف اعتداء «نيس» الفرنسية على أساس أنه عمل إرهابي استهدف أبرياء غير مسلحين في مكان عام ورغم إصرار عائلة المهاجم ومحيطه القريب والبعيد بأنه لا يملك من الانتماء للإسلام غير الاسم ومكان الولادة فإن السلطات الفرنسية أصرت على اعتبار الحادث حادثا إرهابيا.
السلطات الألمانية نفت كل علاقة لمرتكب هجوم ميونيخ بالتنظيمات المتشددة أو بتنظيم الدولة الإسلامية وخلصت إلى أن الهجوم ناجم عن عمل فردي بل ومرّ الإعلام الألماني والأوروبي مرور الكرام على العملية ولم تنصب لها المنابر الكبيرة كما هي عادة العمليات الإرهابية في أوروبا.
على العكس من ذلك استنفر الإعلام الفرنسي كل منابره وبسرعة كبيرة وصف أعلى مسؤول في الدولة أي الرئيس الفرنسي العملية بأنها من تنفيذ «التطرّف الإسلامي». التنصيص على صفة الإسلامي في التصريحات الفرنسية يكشف بما لا يدع مجالا للشك حجم التوظيف والتوجيه المقصود والمتعمد للإلصاق التهمة بطرف معين دون بقية الأطراف. لكن في محاولة للتملص من التهمة قامت الخارجية الفرنسية في ردها على ترجمة قناة الجزيرة بالقول إن الرئيس الفرنسي يقصد «التطرف الأصولي» لا «التطرف الإسلامي» في حين أن القنوات الفرنسية الناطقة بالعربية ترجمت خطاب الرئيس بنفس ترجمة قناة الجزيرة.
هذا الارتباك لا تخطئه العين في تصنيف الهجمات والجرائم الإرهابية التي تضرب أوروبا بشكل خاص وهو ما دفع الرأي العام العربي على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاستفهام عن طبيعة التصنيف وعن خلفياتها السياسية والحضارية.
فهل يلزم في تهمة الإرهاب أن يكون المنفّذ عربيا مسلما سُنيّا؟ ولماذا صُنفت عمليات إرهابية كبيرة على أساس كونها أعمالا فردية معزولة لا علاقة لها بالإرهاب؟
كثيرة هي الجرائم الإرهابية التي نفّذت ضدّ أبرياء مثل هجوم النورفيجي «اندريس بريفيك» في 2011 أو هجوم جامعة كولومباين 1999 في الولايات المتحدة... لكن مرتكبيها لم يحاكموا ولم يصنفوا على أساس اعتبار جرائمهم جرائم إرهابية. هذا الخلل المقصود في التصنيف يكشف كذلك خللا في مقاييس التصنيف نفسها وتوجيها متعمدا ومقصودا لجعل الضحية جلادا ولجعل الجلاد ضحية.
لن نطيل هنا في تعامل المجتمع الدولي مع الجرائم التي ترتكب في المنطقة العربية وخاصة في سوريا أو في العراق أو في مناطق أخرى من العالم العربي حيث يصمت الإعلام العالمي عن آلاف الضحايا من المدنيين العزّل من الأطفال والنساء والشيوخ ويقيم المآتم الكبرى حين يموت فرد واحد في باريس أو غيرها من المدن الأوروبية.
لكن الدرس الأكثر وضوحا اليوم أمام الشعوب العربية هو الاستهداف المقصود والمتعمد للحضارة العربية الإسلامية ولقيمها ولثروات أرضها وخاصة لثوراتها التي أردت أن تخرج بها من مجال الاستبداد والقمع. إن تهمة الإرهاب صارت لعنة ومصيدة تهدف من خلالها القوى المعادية للأمة إلى شيطنتها وإلى تشويهها من أجل تبرير التدخل الاستعماري على أرضها والاستحواذ على ثرواتها.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد