كتاب وأراء

الإعلام والإرهاب

قبل حتى أن يتم الإعلان عن هوية قاتل ميونخ في ألمانيا قبل أيام، سارع المحللون السياسيون والخبراء والمعلقون في الإعلام العربي والعالمي، إلى تصنيف الحدث ضمن خانة إرهاب التنظيمات الجهادية الراديكالية، داعش طبعا كانت هي العنوان العريض للتحليلات، افترضت الغالبية أن القاتل أو القتلة هم من تنظيم داعش، ذهب بعضهم إلى أنهم تلقوا تدريبهم في سوريا، ونفذوا هجماتهم في ميونيخ ضمن سلسلة الهجمات المنفذة في فرنسا وبلجيكا سابقا، وسارع اللاجئون السوريون خاصة والمسلمون عامة في ألمانيا للدعوة للتضامن مع الضحايا والتبرؤ من هذا النوع من الإسلام، الذي لا يمت لإسلامهم بصلة، القاتل تبين لاحقا أنه شاب ألماني من أصل إيراني مهووس بفكرة القتل الجماعي ولا توجد أية علاقة تربطه بداعش أو بأي تنظيم جهادي آخر، جيد، هكذا نجا اللاجئون السوريون، مؤقتا، من حالات انتقام اليمين المتطرف في أوروبا، ومن الدعوات إلى عدم استقبال المزيد من اللاجئين، والتي غالبا ما تحصل بعد كل حادث من هذا النوع، ولكن هل حادثة كحادثة ميونيخ يمكنها أن تنقل صفة الإرهاب عن المسلمين لتضعها على كل من يقوم بعمل من هذا النوع؟ بماذا تختلف حادثة ميونيخ عن حادثة دهس المحتفلين في مدينة نيس الفرنسية قبل أسبوعين؟ الحادثتان قام بهما شخصان متطرفان، التطرف ليس دينيا فقط ولا قوميا، التطرف في أساسه هو حالة مرضية يجد صاحبها من يعززها لديه عبر تصوير العدمية بوصفها الحالة المثالية، المتطرفون القتلة عدميون في غالبيتهم، تتساوى لديهم فكرة الحياة والموت، لهذا هم يرتكبون جرائمهم وينتحرون أو يدركون أنهم بعد قليل سيقتلون، منهم من يعتقد أنه بهذا يرضي الله ويضمن مكانه في الجنة، ومنهم من يعتقد أنه بفعلته ينقذ البشرية الغارقة بالشرور، ومنهم من يظن أنه بذلك ينقذ نوعه العرقي الذي اصطفته الإنسانية دونا عن الآخرين.
سابقا كان للمنظرين والمفكرين دور في تغذية هذا الأفكار، لذلك كانت الحوادث من هذا النوع قليلة أو تقتصر على الحروب الطويلة الأمد وتستقر في أماكن الحروب، مع الانتشار الهائل للميديا والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أفكارا كهذه تدخل إلى غرف نوم الطفل لحظة ولادته، لم يعد ثمة ما يحصن العقل من التأثر بهذه الأفكار، خصوصا مع كمية العنف الموجودة في العالم والتي يتسابق الإعلام بعرضها، قتل ودماء ورؤوس مقطعة وأشلاء ودمار، وكل ما يجعل من الكراهية والحقد حالة طبيعية ويمكن تبريرها والدفاع عنها، ومصالح سياسية واقتصادية دولية تسيرها أنظمة مخابرات عابرة للدول، يمكنها أن تجند من تشاء لصالح بقاء حالة الكراهية والحقد هي السائدة في العالم، والضحايا دائما هم أجيال من شباب الإنسانية كان ينبغي لهم العيش بسلام لإغناء النوع البشري بقيم الجمال والعدل لا العكس..
السؤال الآن: لماذا لا تلحق كلمة الإرهاب بكل من يقوم بالقتل الجماعي وبكل من يحرض عليه أو يروج للكراهية والحقد والعنف؟ السؤال الأصعب.. لماذا لا تطلق صفة الإرهاب سوى على المسلمين؛ أو بالأصح لماذا بات ينظر إلى كل مسلم بوصفه إرهابيا أو مشروع إرهابي؟ هل المسؤول عن هذا هو الإسلام الجهادي الراديكالي ومن أوجده فقط، أم أن المسلمين والعرب بأنظمتهم الاستبدادية وبما يملكونه ويمولونه من وسائل الميديا والسوشيال ميديا، يتحملون المسؤولية أيضا؟!

بقلم : رشا عمران

رشا عمران