كتاب وأراء

عوائق العمل الحزبي في تونس

بعد الثورة وسقوط نظام الاستبداد شهدت تونس إسهالاً حزبياً أسفر عن منح التأشيرة لأكثر من 160 تشكيلاً سياسياً تتوزع على مشارب أيديولوجية مختلفة وإن كان غالبيتها متقارباً من حيث البرامج والشعارات وحتى الأسماء.. وإذا كان من الممكن تفهم فوضى الأحزاب بعد الثورة مباشرة بسبب السنوات العجاف زمن الاستبداد، حيث كان النشاط الحزبي مقنناً بشروط صعبة وحينما لم تكن أحزاب المعارضة المعترف بها سوى تنظيمات إدارية مدجنة تشكل امتداداً للسلطة السياسية القائمة، فإن مرور خمس سنوات بعد الثورة عرفت فيها البلاد ثلاث جولات انتخابية (برلمانية ورئاسية) كان كافياً لذوي الدراية السياسية لإدراك أن البنية الحزبية في تونس وحالة التشتت التنظيمي قد أفضت إلى غير المقصود منها من حيث أن الهدف من إنشاء التنظيمات الحزبية هو المنافسة على السلطة وليس مجرد تسجيل الحضور السياسي الشكلي.
فمن الناحية الواقعية يتشكل المشهد السياسي التونسي من خمسة تيارات سياسية كبرى هي حصرا التيار القومي والتيار اليساري والتيار الإسلامي والتيار الليبرالي والتيار الدستوري، غير أن هذه التيارات الكبرى قد عرفت حالة من التشظي الواسع من خلال انقسام منتسبيها على طيف سياسي واسع من التنظيمات الحزبية ويمكن استعراض أهم أسباب هذا التشظي في جملة من النقاط المختصرة:
- تعاني القوى السياسية في تونس من حالة من «الزعاماتية» المفرطة، حيث تتشكل بعض الأحزاب حول شخصية قيادية تستأثر بكل الحراك الحزبي والظهور الإعلامي مع غياب واضح لأي حضور جماهيري أو أي قدرة على التأثير في الواقع السياسي وهو ما يتجلى في النتائج الانتخابية لهذه الأحزاب القائمة على القائد الواحد.
- فقدت بعض الأحزاب امتدادها الجماهيري بسبب لعنة الانشقاقات المتلاحقة والتي أفضت إلى تحولها إلى كيانات صغيرة أقل نفوذاً وتأثيراً وهو أمر يمكن ملاحظته بوضوح في أحزاب متعددة مثل «الحزب الجمهوري» بزعامة أحمد نجيب الشابي أو «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» وكليهما فقد حضوره البرلماني بشكل شبه تام بعد انتخابات أكتوبر 2014 أو ما عرفه «نداء تونس» من انقسام رغم فوزه بالانتخابات الماضية ما يعني أن لعنة التشتت الحزبي تتجاوز الهزيمة الانتخابية أو الفوز بها.
- يمكن تسجيل حالة التشتت التنظيمي في قوى سياسية متقاربة فكرياً وتنتمي لذات التيار غير أنها فشلت في إيجاد صيغة تنظيمية واحدة وهو أمر ملحوظ لدى أحزاب التيار القومي التي يفوق عددها الخمسة أحزاب بالنسبة للتيار الناصري وهو أمر يمكن ملاحظته بالمثل لدى القوى البعثية.
- أفضى التشتت الحزبي في قوائم انتخابية متعددة إلى ضياع أكثر من 400 ألف صوت كان يمكن أن تغير الخريطة الحزبية في مجلس النواب لو تمكن أصحابها من خوض المعركة الانتخابية في قوائم أكثر توحداً.
- لعب المال السياسي دوراً أساسياً في تشكيل المشهد الحزبي، حيث تمكنت الأحزاب ذات الدعم المالي الواسع من تحقيق حضور واضح في البرلمان التونسي بغض النظر عن خلفياتها الأيديولوجية أو الفكرية.
لقد كان واضحاً أن كثرة التنظيمات الحزبية هو أحد العوائق الأساسية أمام تمثيل أكثر مصداقية للمشهد السياسي التونسي وقد تمكنت القوى السياسية التي أدركت أهمية بناء تحالفات واسعة (مثلما فعلت بعض قوى اليسار المتآلفة في إطار الجبهة الشعبية) من الحفاظ على حضورها السياسي في المشهد العام كما أن الأحزاب السياسية ذات التنظيمات القوية والتي حافظت على وحدتها (مثل حركة النهضة) ظلت فاعلة ومؤثرة وكل هذه العوامل تثبت أن زمن الكيانات الحزبية الصغيرة قد انقضى وولى وأنه من الضروري أن تتوحد الأحزاب المتقاربة من حيث البرامج في تنظيمات كبرى قادرة على المنافسة وإعادة تشكيل المشهد السياسي الذي لم يستقر بعد بصورته النهائية ولعل هذا ما دفع الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي إلى تشكيل «حراك تونس الإرادة» لبناء قوة سياسية وازنة، ويبقى العمل الحزبي ضرورة في العملية الديمقراطية به تستمر وتتطور.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي