كتاب وأراء

سر ابتسامة الفلبيني

سؤال يراودني كثيراً وأنا أقف في آخِر الصف في مقهى ستار بوكس بانتظار دوري في شراء قهوة لا أعرف اسمها ولا طعمها ولا لونها ولذلك كنت طوال الوقت أنظر بشغف إلى قائمة المشروبات، ولكن لفت نظري أمر آخر وهو سر ابتسامة لم تفارق وجه البائع الفلبيني! هي الابتسامة ذاتها المرتسمة على محياه منذ أول وهلة وقعت عليه عيناي، منذ أن كنت في أول الصف رغم تغير نفسيات الزبائن عليه! اقترب دوري أكثر وأكثر، والابتسامة تزداد اتساعا أكثر وأكثر.. رغم أنه كلما الطابور من خلفي يزداد طولاً أيقنت لحظتها أن ابتسامة هذا الفلبيني سر لا يعرفه أحد ولابد لي من كشف المستور.

جاء دوري بعد انتظار ورغم أنني حفظت اسم الطلب إلا أنني أخذت أنظر إلى القائمة ببرود عجيب في محاولة لاستفزاز هذا الكائن المبتسم! ولكن دون جدوى. أمعنت النظر بالقائمة أطول لكي استفزه أكثر دون فائدة ترجى ولكن الذي دفعني للاستعجال ليس العامل إنما التأفف الصادر من خلفي. أيقنت وقتها أن سر هذه الابتسامة هو نوع من الرضى الداخلي فقال لي: (قود مورنيق سير) والابتسامة على ثغره الممدود. وكان طلبي عبارة عن شاي اسود هذا الذي اعرفه!

انتظرت في الكتف الأيمن من الصف حتى ينتهي الطلب، فتقدم طفل قد يكون في عمر ابن هذا الفلبيني الذي قد لا يعرف حجم معاناة والده في الغربة من أجله.. الشاهد أن الابتسامة كانت حاضرة على وجه الفلبيني رغم قلة أدب هذا الطفل في السؤال وكأن العامل ليس بإنسان. وكأن الابتسامة رسالة تخبرنا بأنها هي البلسم لمواجهة قسوة الحياة.

أخذت الطلب وغادرت المكان دون أن أقول كلمة شكراً رغم أن الفلبيني كان يشكرني على حضوري وطبعا الابتسامة تسبق كلامه. فكرت لماذا يتميز الشعب الفلبيني بالابتسامة رغم أنه قد لا يملك كل مباهج الحياة. فبالكاد يملك مصروف يومه وفي نهاية كل شهر يرسل كل ما يجمعه من مال لكي يرسم الابتسامة الأكبر في مانيلا. ما الذي يملكه لكي يكون سعيداً ومبتسماً طوال الوقت ولا نملكه نحن؟ رغم أننا نملك دينا عظيما يحثنا على الابتسامة بقول رسولنا الكريم: تبسمك في وجه أخيك صدقة.

للأسف! فإذا ابتسمت في وجه أخيك المسلم رمقك بنظرة غاضبة وقال بعنجهية واضحة: تعرفي اعرفك. وإذا كان مقرباً لك قال: لا تبتسم فأنا لا أملك مالاً لكي أقرضك. وإذا كان يعرفك عز المعرفة قال لك بسخرية: لماذا توزع مثل هذه الابتسامات البلهاء! وتحمد الله أنه لم يقل لك هل أنت أهبل؟!

تذكر أن الابتسامة لا تكلفك سوى ابتسامة مثلها. فابتسم لكي تسعد ولتعلم أنك لا تحتاج المال لكي تزداد جمالاً! ولكن هي ابتسامة بالمجان تشبه ابتسامة هذا الإنسان الفلبيني.

بقلم : ماجد الجبارة

ماجد الجبارة