كتاب وأراء

عبدالعزيـز ناصر .. معالم الرحلة وألم الرحيل

الموت حق. لكنه أيضاً صدمة. وقد صدمت بقسوة صباح الجمعة الماضية بخبر وفاة الموسيقار عبد العزيز ناصر. لم أكن أعرف قبل عدة سنوات أن القدر يخبئ لنا فرصة اللقاء والتعارف والتقارب. ولما عرفته قبل خمس سنوات أصبح بالنسبة لي أخا لا يفارق وصديقا لا يعوض. عبد العزيز ناصر موسيقي وملحن قطري معروف تغنى بألحانه مطربون قطريون وخليجيون وعرب عديدون. هذا ما كنت أعرفه عنه قبل أن أتعرف عليه. لفتت موسيقاه باستمرار انتباهي. «أم الحنايا» و»الكركيعان» و»العايدو» و»ولهان ومسير» و»تصدق» و»حسايف» و»الله يا عمري قطر» و»محمد رسول الله» و»المجاعة» ليست إلا قليلاً من كثير قدمه بموهبة وإبداع.
ولأني من عشاق الموسيقار المصري رياض السنباطي لأنه كان يطور الموسيقى العربية من داخلها ولم يضعف أمام موجات المزج والنقل من الغرب، فقد وجدتني بالمثل أهتم وأهيم في موسيقى عبدالعزيز ناصر لمضمونها ومنهجها. فالراحل، رحمة الله عليه، انطلق من معرفة قوية بالقوالب الموسيقية الخليجية مطوراً فيها بحرفية تشعرك بهوية واضحة مقدماً أعمالاً متميزة تناقض تماماً تلك الأعمال التجارية الرخيصة التي لا يُعرف لها هوية وليس فيها من الموسيقى أي شيء من أصولها.
ولم يكن غريباً بعد أن تعرفت عليه وأصبحنا أصدقاء أن أكتشف ما وقف وراء الجدية والمسؤولية التي تميزت بها أعماله. فلم يكن مجرد موسيقي محترف يعرف كيف يضع الألحان فوق الكلمات وإنما كان مثقفاً غزير المعرفة والاطلاع. كان يقرأ كثيراً بالذات فيما يخص الدين. لقد كان رحمه الله حافظاً للقرآن الكريم فاهماً بوعي شديد لمعانيه وواعياً بالصراعات الثقافية التي دارت حول الموسيقى بالذات. وكان يدفع بكل أدب ومقدرة بالحجج والبراهين الشرعية والعقلية التي تؤكد رسالة الموسيقى وتماشيها مع الإسلام طالما كانت مسؤولة وراعية لحسن الخلق.
إن الرحلة المهنية لعبدالعزيز ناصر منذ تخرجه عام 1977 من المعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة إلى أن توفاه الله قبل أيام كانت معالمها العرق والنجاح. لم يضعف يوماً أمام الموسيقى المجففة والكلمات المبتذلة. قدم بذكاء شديد ألحاناً تحارب الفوضى والاستبداد وتتغنى بالحرية وتهتم بالمواطنة. أما فيما يتصل بشخصيته فقدم لي ولكثيرين نموذجاً قلما تجده في إنسان بمثل شهرته. كان بسيطاً إلى حد لا يصدق. والأعجب أنه كان يخفي داخله بحوراً من الآلام. فقد امتلأت حياته بشجون ومحن ومواجع ما بين صحي وعاطفي وثقافي. لم يكن يبوح بها إلا فيما ندر. حتى مرضه الأخير، رحمه الله، لم يشأ أن يزعج أحدا بأمره مبكراً. كان يحتفظ بالمر لنفسه ويشرك كل من أمكنه في أية مناسبة للسعادة والسرور.
وعندما أرسل إليّ قبل أشهر قليلة مجموعة ألحانه الأحدث بعنوان «متى يا سيدي تفهم؟» اتصلت به شاكراً وقلت له إني لن أفتح ورقة الغلاف المحيطة بالقرص المعدني إلا عندما أحضر إلى مجلسك يوم الأحد المقبل بإذن الله. لكن القدر شاء وقتها أن يمنعني عنه وعن مجلسه بعد عارض صحي صعب ألمَّ بي واستدعى تدخلاً طبياً في مستشفى القلب، تواصلنا بعدها مراراً برغم مرضي وبرغم أسفاره.
وبعد رحلة قصيرة عدت منها عازماً أن أكون في معيته هذا الأسبوع فاجأني أحد أقربائه الكرام بخبر وفاته ليصدمني وليزيد من لومي لنفسي بعد أن علمت أنه سأل عنيّ بالاسم قبل أيام قليلة من فراقه. طاف برأسي شريط طويل من ذكريات ومناسبات عديدة جمعتني به.
يعلم الله أني لم ألتق أحداً في مناسبة وجاءت سيرة الأستاذ عبدالعزيز ناصر فيها إلا وكان الخير والمحبة قرينين لاسمه. كان إنساناً استثنائياً. لم تغره الشهرة أو تغيره. وبقدر ما علت الموسيقى بعواطفه علا هو أيضاً بها في عطاءاته. كانت معالم رحلته كلها تدل على رجل متميز ومتواضع، مشهور لكنه عازف عن الأضواء، مثقف وجد في الموسيقى طريقاً للتعبير عن قناعاته. رحم الله الأستاذ عبدالعزيز ناصر رحمةً واسعة. لقد كان أخاً كريماً وصديقاً عظيماً أشع بالمحبة على كل من يعرفهم..
إنا لله وإنا إليه راجعون.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات