كتاب وأراء

الشعب أراد .. وحقق ما أراد

ثلاث سوابق، أو مبادئ أسس لها إفشال محاولة الانقلاب الذي تعرضت له الديمقراطية التركية.
أولها انها المرة الأولى، التي يندحر فيها انقلاب للجيش من قبل الشعب.
فلم يسبق من قبل لا في تركيا، ولا أي من دول المنطقة، أن يسقط انقلاب عسكري، بعد ساعات من إعلانه السيطرة على البلاد، وتوليه السلطة، وهي سابقة لو تعلمون عظيمة.
السابقة الثانية، تمثلت في موقف المعارضة التركية، من محاولة الانقلاب الفاشلة، وهو أحد أهم الدروس، التي تجب الاستفادة منها، ذلك ان المعارضة على خلاف كبير، وفي حالة صراع سياسي شرس مع العدالة والتنمية والرئيس اردوغان، لكن الخلاف السياسي، لا يسوغ الاصفاف مع القوة العسكرية، والاطاحة بالديمقراطية بقوة الدبابة.
باختصار، إننا نتحدث عن معارضة سياسية، لا عن من يمتهنون المعارضة، ويتعاملون معها على انها وسيلة «أكل عيش» أو بالبلدي «سبوبة» للارتزاق، ولا تنطلق من مبدأ كراهية المنافس والمخالف، الدعوة لسحقه و«فرمه» بالسلاح وليس بالصندوق، وهو ما ارى انه كان فارقا في افشال المحاولة الانقلابية في تركيا.
ويكفي في هذا الصدد، ان نذكر بما قاله زعيم الحزب الجمهوري التركي، كلجدار أوغلو، تعليقا على ما تلقاه من شكر على موقف حزبه من محاولة الانقلاب الفاشلة.. حيث قال الرجل «يشكروننا على موقفنا.. هذه وظيفتنا أصلاً، وإن لم نقم بحماية الجمهورية والديمقراطية، عمَ سندافع؟»
الموقف الناصع للمعارضة، كان متسقا، أو بالاحرى تابعا، من توابع الملحمة الشعبية- وهي السابقة الثالثة- التي سطر بطولاتها الشعب التركي، في تلك الليلة الطويلة، من عمر تركيا والمنطقة ليلة 15 يوليو الجاري. وعندما نقول الشعب التركي، فهذا بكل تأكيد يشمل مؤيدي الرئيس وحزب العدالة والتنمية، وكذلك مخالفوهم، الذين استفادوا من النهضة الشاملة، والنقلة الاقتصادية والديمقراطية، التي حققها الحزب خلال سنوات حكمة، تلك المكتسبات التي كادت تسحقها دبابات الانقلابيين، ويدمرها قصف طائراتهم، وما استهدافهم للبرلمان الا نموذج لتفكير اصحاب منطق القوة وحملة السلاح، ودلالة عميقة على رفضهم للديمقراطية والتنافس السياسي، وهو ما تفطن له الاتراك بسرعة هائلة، فخرجوا لمواجهة آلة القتل بصدور عارية، فاندحرت امام قوتهم ووحدتهم، وتقهقرت في وجه تقدمهم، لكنها بالطبع أبت الا ان تترك آثارها المدمرة عليهم، وتقتل من استطاعت من ابناء الشعب، وتدهس من قدرت على دهسهم في سياراتهم، ولم يكن ذلك الا ضريبة بسيطة، تهون آلامها، مقابل افشال الانقلاب، الذي كان سيقضي على اخضر البلاد ويابسها لعقود طويلة، وما تداعيات انقلاب كنعان افرين عام 1980، من حيث عدد القتلى والمعتقلين والمنفيين عن الشعب التركي ببعيد، كما انها بمتناول من اراد المقارنة الموضوعية بين تداعيات افشال الانقلاب، وما كان يمكن ان يحدث اذا ما نجحت المؤامرة، قياسا على السوابق.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى