كتاب وأراء

أردوغان وكلمة السر !

محاولة الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانت أقرب للسباحة ضد التيار أو السير في الاتجاه المعاكس لقاطرة التاريخ. كل المعطيات الظرفية والتاريخية لا تسمح بنجاح انقلاب في دولة بحجم وأهمية تركيا، كان ذلك ممكناً ومتاحاً في أزمنة سابقة تنتمي لحقبة السبعينيات والثمانينات ما قبل الألفية الثالثة. في تاريخ تركيا كانت العمليات الانقلابية تتم بكل سهولة ويسر لا تتطلب العملية الانقلابية سوى بيان من الجيش يغلق البرلمان ويجمد نشاط الحزب الحاكم وتعلن على إثر ذلك الأحكام العرفية.
ربما نكون في الانتظار لعدة سنوات حتى تتكشف كل الأبعاد الخفية للمحاولة الانقلابية لماذا اختار الانقلابيون هذا الطريق المغلق للوصول إلى هدف مستحيل.
هناك فرق كبير بين نجم الدين أربكان ورجب أوردغان، الأول كان قادراً على الوصول للبرلمان عبر صناديق الاقتراع وتشكيل الحكومة ولم تكن جماهيره تمثل عنصر إسناد وحماية له في ما بعد ذلك، لذا كان الانقلاب عليه يتم بأيسر الطرق وأبسط الإجراءات، ودون أن تصدر أصوات احتجاج دعك من حركة مقاومة تتسيد الشارع التركي وتمتلئ بها الميادين وتفترش الإسفلت لإعاقة حركة المدرعات مثل ما حدث في ليلة الجمعة.
تم الانقلاب العسكري الصامت على نجم الدين أربكان، وأسقطت حكومته في يونيو 1997م، ثم صدر قرار المحكمة الدستورية في نوفمبر من العام نفسه بحل حزبه «الرفاه»، ومنعه من العمل السياسي ولم يترتب على ذلك أي تحرك مضاد!
‏أهم العبر المستوحاة من الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا:
أن هذه الدولة المتحضرة تجاوزت مرحلة التغيير عبر الوسائل غير الديمقراطية وأن الانقلابات فيها أصبحت من أرشيف الماضي فهي عملة كهفية لا تصلح للبيع والشراء.
للديمقراطية أنياب ومخالب تستخدم عند الضرورة في مواجهة المغامرين والعابثين بقيمها.
والدرس المهم في هذه التجربة أن الجماهير ليست قوة ميكانيكية تنتهي بانتهاء إلقاء الأصوات في صناديق الاقتراع والانصراف إلى المنازل ومقار العمل بعد إعلان النتائج.. دور الجماهير يمتد لحماية خياراتها السياسية واختياراتها الانتخابية وقتما فرض عليها ذلك.
في السودان هنالك تجربتان مشابهتان للتجربة التركية:
الأولى متعلقة بحماية انقلاب قام به الشيوعيون ضد الرئيس جعفر نميري في 19 يوليو 1971، قائد الانقلاب الشيوعي دعا جماهير حزبه للخروج لحماية التغيير الجديد من التحركات المضادة، فلم يستجب له أحد.
أما التجربة الثانية في الثمانينيات، حيث وقعت الأحزاب السودانية والنقابات على ميثاق لحماية التجربة الديمقراطية وحينما تحركت المدرعات معلنة انقلاب عمر البشير، ذهب رئيس الوزراء للمخبأ ولم يخرج أحد لنصرته.
من الدروس المهمة في تجربة الانقلاب التركي الفاشل أن الإنجازات هي التي توفر الحماية للحكومات لا القوات العسكرية والتدابير الأمنية.
الأرقام هي التي انحازت لأردوغان ونصرته على منافسيه:
الأرقام هي التي مكَّنت أردوغان من هزيمة 14 حزباً قومياً ويسارياً في الانتخابات.
الأرقام وحدها، هي التي كانت قادرة على إنهاء احتجاجات ميدان تقسيم بسلام.
أردوغان قفز ببلاده من المركز الاقتصادي 111 إلى الـ16 بمعدل عشر درجات سنوياً، مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء في العالم.
أردوغان سدّد عجز الميزانية البالغ 47 ملياراً، وكانت آخر دفعة للديون التركية 300 مليون دولار، تم تسديدها في يونيو الماضي للبنك الدولي.
تركيا كانت صادراتها قبل عشر سنوات 23 ملياراً، وأصبحت اليوم 153 ملياراً.
أردوغان في عشر سنوات، بنى 125 جامعة جديدة، و189 مدرسة و510 مستشفيات.
على أردغان أن يكون أحرص من الجميع على الاستقرار والديمقراطية لأنها هي التي مكنت له في الحكم، وحمته من المغامرين، وألا ينقلب عليها بإجراءات استثنائية ذات نزوع انتقامي مثل ما يحدث الآن من تصفيات وإحالات تقوم على الانتماء والاشتباهات الأولية..عليه ألا يحرق الزوارق بعد العبور!
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال