كتاب وأراء

نصف يوم لا يُنسى


اليوم الجمعة، والتاريخ الخامس عشر من يوليو، والعام ألفان وستة عشر ميلادية، والتوقيت مساء، هذا التاريخ كاملا بات علامة فارقة في حاضر ومستقبل دولة، تاريخ احدث تحولاً درامياً في الأحداث بعد محاولة انقلاب عسكري فاشل حيث تدفق مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع استجابة لنداء الرئيس رجب طيب أردوغان، الأمر الذي دفع القوات التي قامت بالانقلاب للتراجع والانسحاب من أماكن عديدة واعتقال بعض قادتها، ومنذ ذاك التاريخ وبعد مرور ما يقارب الأسبوع أصبحت تركيا محط أنظار العالم بسبب هذه المحاولة الفاشلة وتصدّرت الشاشات صور العربات المدرعة وهي تقطع جسر إسطنبول الذي يصل بين الجزء الأوروبي والجزء الآسيوي للمدينة، وصور طائرات إف-16 وهي تحلّق في سماء أنقرة وتقصف مقر قيادة الأركان التركية ومبنى البرلمان اعقبه خطاب أردوغان عبر تطبيق «الفايس تايم» والبيان الأول للانقلاب وتوالت الأحداث بنزول الأتراك شيباً وشبابا، رجالاً ونساء إلى الشوارع لمواجهة الانقلاب والقبض على الجنود والضباط المشاركين فيه في سابقة لم نرَ لها مثيلاً من قبل.
لا شك في أننا نعيش في عالم مجنون متقلب ومتغير إلى أقصى حد وبشكل يثير الدهشة ففي تاريخ لا يُنسى نتابع بعيون محدقة وأفواه مفتوحة من فرط الدهشة ما يحدث في تركيا، انقلاب عسكري دون سابق إنذار وبلا مقدمات، فجأة وبدون سابق إنذار عشرات الطائرات العسكرية تحلق في سماء أنقرة وتنذر بليلة حالكة السواد بعدها بقليل يصرح رئيس وزراء تركيا «بن علي يلدريم» بأن هناك محاولة تمرد ضد الديمقراطية والإرادة الشعبية– حسب قوله– يقوم بها أفراد داخل الجيش، ومؤكدًا أنهم سينالون العقاب المستحق، لكن الأمر تعدى ذلك وتوالت الأحداث بداية بإغلاق جسر البوسفور، مرورًا بضرب مبنى الاستخبارات التركية ثم مبنى المخابرات العامة إلى مبنى البرلمان ثم السيطرة على الإعلام التركي وبث بيان يؤكد سيطرة الجيش التركي على الحكم وبأنه هو المسؤول عن تركيا وهو المتحدث الرسمي لها حتى إشعار آخر حماية لحقوق الشعب التركي، وحفاظًا على الديمقراطية...
وماتزال أعيننا محدقة في شاشة التلفاز التي ما انقطع بثها في خبر عاجل يتلوه خبر عاجل مع كل لحظة بل وتناسينا برامج العيد وتنوعها لننتظر كل تفصيل عن تلك المحاولة.
ويستمر المشهد في الإثارة لكنها إثارة تحولت لإثارة نفسية مع تلك الجموع التي لبت نداء رئيسها فبمجرد ما لجأ أردوغان للشعب امتلأت الشوارع واكتظت بالمؤيدين والمعارضين معًا وجنبًا إلى جنب حيث كان هدفهم واحد وهو الحفاظ على استقرار الدولة خاصة أن الشعب التركي عانى كثيرًا من الانقلابات وذاق ويلات من الحكم العسكري لسنين وهو ما دفعه للوقوف أمام انقلاب تركيا العسكري حفاظًا على الديمقراطية وعلى حريته في الاختيار وببساطة شديدة كان فشل الانقلاب نتيجة لمعادلة أطرافها شعب واعٍ ومعارضة ناضجة وشرطة في خدمة الشعب حقًا، ولأن لكل فعل رد فعل ولكل عمل نتيجة فلفشل انقلاب تركيا العسكري نتائج كثيرة لعل أهمها ما ستتخذه الحكومة التركية من إجراءات سريعة وصارمة لمحاسبة القائمين وهو ما تعهد به أردوغان من القيام بتطهير الجيش ومعاقبة المتورطين في الانقلاب.
ومما لاشك فيه تلك الدروس التي يمكن أن تكون مستفادة من هذه المحاولة الفاشلة شكلا ومضمونا.
فقد كان واضحاً كل الوضوح التعلق بالله تعالى من قبل الأتراك والجماهير العربية والإسلامية وسؤاله بإخلاص وإقبال أن يبطل كيد الكائدين، وما تكبير الأتراك ودعاؤهم الله تعالى وهتافهم باسمه سبحانه في الشوارع والميادين وسجودهم وصلواتهم في الطرقات ما هي إلا مظهر يدل على عدم قبول هذا الأمر والرغبة الصادقة في انتهائه بأسرع وقت، وظهر واضحا جليا في تلك الليلة مدى اتحاد الشعوب العربية والإسلامية واجتماعها على حب الخير لتركيا قيادة وشعبا فعشرات الملايين كانت قلوبها مع الأتراك وقد أظهروا فرحاً منقطع النظير بسقوط الانقلاب، ومن نظر في تويتر وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الصادقة علم ما قصدته وهذا يدل بوضوح على أن قلوب المسلمين مع تركيا وتجربتها الجليلة وتوجهاتها الإسلامية الظاهرة، ودعوني ألقِ نظرة في حديثي هنا على ما أظهره القائد «أردوغان» من رباطة جأش منقطعة النظير حيث قام بتوجيه شعبه إلى الخروج في الشوارع والمرابطة بالميادين وكم كانت الجماهير التركية وفية لقائدها الذي قدم وبذل لها الكثير، لذلك أظهر الشعب التركي وعيا وفهما جليلاً وإدراكاً لطبيعة المحاولة التي لم تدم اكثر من نصف يوم، ولأن المواقف هي من تُظهر النزعات والنزاعات الداخلية في الفرد وتكشف نواياه مهما كانت فقد اظهر بالمقابل بعض منافقي العرب تضامناً غريباً في الترحيب بالانقلاب والتشفي من أردوغان وحزب العدالة، ونعقت بعض قنوات الضلال مستضيفة الشامتين وفعلت كل ما تستطيع فعله لإظهار حقدها وعداوتها وشماتتها بل وقامت جماعات من مغردي السوء والضلال ببث سمومهم في تويتر فرحين شامتين فأبى الله تعالى إلا خذلانهم وإبقاء عبده أردوغان على رأس الدولة التركية التي وقف إلى جانبها في نصف يومها الذي لا يُنسى القادة الإشراف والرؤساء الذي لن ينسى التاريخ لهم مبادرتهم بالتواصل والدعم منذ اللحظة الأولى، وختام نصف اليوم الذي لا يُنسى أقول: تبقى الأحداث حاضرة بتفاصيلها وشخوصها وإن انتهت فلنتعلم فن الانحناء أمام العاصفة لنخرج منها أقوى ومنتصبي القامة.. ودمتم كل يوم بخير.
بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل