كتاب وأراء

هتلر.. تنقصه فرصة

أمام رفض صغيري القيام بواجباته وتشبثه بالجلوس أمام الحاسوب، حاولت أثناءه عن تلك العادات الضارة، ولم أوفق، حتى سألته يوماً: كيف ستتصرف لو أنجبت، ثم رفض ابنك القيام بواجباته؟
أجاب: سأرغمه بالقوة.
فصدمت لاستعداد الإنسان لتغيير مواقفه 360 درجة إذا تغير وضعه وتبدلت أدواره.
وقد ذهلت حين قرأت مذكرات غاندي، فاطلعت على اعترافه بضرب زوجته وهو زعيم المنادين باستخدام الوسائل السلمية لنيل الحقوق، لكنه لجأ للقمع حين ارتأى أنه يتناسب مع دوره كزوج، ثم تحول للمناداة بالسلم حينما لعب دور المناضل المسالم!
وكلنا سمع عن الأم التي تدعو ربها أن يرزق ابنتها المطلقة بعريس مع رفضها لاقتران ابنها بمطلقة، فهي تشتري الجديد وتبيع المستعمل!
ولكم نسمع من رجال يشتكون ظلم رؤسائهم في العمل أو بطش حكامهم الذين يتعاملون من منطلق «لا أريكم إلا ما أرى» وإذا رأيته في بيته تفجع من كون ولده لا يجرؤ على اختيار لون حذائه خشية سماع: «مش بمزاجك تلبس ايه أو تأكل ايه»!
كما لا تملك زوجته حق اختيار إطار لنظارتها، بل هو من يختار لأنه يتوهم أنه يرى الأفضل ويختار الأنسب، لاعتقاده أنه حاز ملكات الفهم والصواب وحده.
لكن حين يتحول لدور المواطن المقهور، يعيش دور الكسير المظلوم، وهو في حقيقته.. هتلري النزعة، لكن تنقصه الفرصة والتي يجدها في بيته مواتية، فيلعب دور الأب المتكبر أو الزوج المستبد، فيذيق أهله من صنوف العذاب والديكتاتورية والغبن والاستعباد.. ثم إمعاناً في الغي، يوهم نفسه أن أهله سيدركون قيمة ضربه لهم وطمسه لشخصياتهم بعد حين!
حتى النساء المتشدقات بطغيان المجتمع الذكوري.. تجد منهن، أنثى تسرق زوج صديقتها وأنثى تتجبر على إناث أقل منها شأناً.. فهذه حماة تتسلط على كنتها وتلك زوجة منكسرة أمام زوجها، لكنها شرسة مع خادمتها. فقط اختلاف أدوار أفرز اختلافاً في السلوك.
وقد صدمت من نشر تجربة «لو سيفر» تلك التي أجرتها جامعة ستنافورد تحت إشراف عالم النفس «زيمباردو» والتي درست تأثير اختلاف الأدوار على الفرد حينما يكون حاكماً أو محكوماً، والتي أفادت بالتباين التام لسلوك المرء حال خضوعه للسلطة عنه في حالة خضوع آخرين تحت قبضته وبحثت الدراسة في أثر التصديق الأعمى لاعتقاد المتسلط لأحقيته في السلطة وإغراء القوة له بارتكاب أشنع صور القسوة تحت دعاوي وشعارات زائفة!
والتجربة قامت على إنشاء سجن تجريبي في قسم علم النفس، فتم تقسيم المتطوعين إلى 12 سجينًا و12 سجانًا. أما «زيمباردو» الأستاذ الجامعي، فصار مديراً للسجن. وقضت تعليماته بحرمان السجناء من فرديتهم لخلق التهيب في نفوسهم، مع منع الحراس من استعمال القوة الجسدية معهم، لكن زودهم بعصي وسترات شبه عسكرية ونظارات شمس لمنع تعاطف العينين، وأمرهم بمناداة السجناء بالرقم وليس بالاسم، لمنع أي أثر للمودة.
بعد يوم واحد دبت ثورة بين السجناء، وتطوع السجانون للقضاء عليها، فهاجموا المساجين بأجهزة إطفاء الحريق دون طلب الإذن من المدير!
بعد 36 ساعة، شرع السجانون يتعاملون بقسوة وبلذة سادية في الإيذاء. فلم يعودوا يسمحون للسجناء بالذهاب لدورات المياه بل يرغمونهم على قضاء حاجتهم في دلاء، ولقد أبدى الكثير منهم ضيقهم عندما انتهت التجربة بعد ستة أيام، كأنه قد تم قطع متعتهم!
و يبقى صراع الإنسان في نفسه مع الآخرين باختلاف أدواره.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي