كتاب وأراء

عبدالعزيز ناصر.. اللحن الذي لم نصغ إليه جيدا


قابلته مرة وأنا خارج من فرح أحد الاصدقاء، وقلت له، بودي لو اجلس معك، أعتقد اننا بحاجة كمجتمع إلى فهم قيمة ثقافة اللحن، فقال كما تُحب، لم يقدر لي أنا أراه بعد ذلك، لكنه كان قريبا إلينا جميعا، أشرت في مقال سابق لي عنه كأحد آباء الحداثة في المجتمع القطري، حيث نقل اللحن القطري إلى جميع الاقطار العربية بلا استثناء، نحن اليوم في أشد الحاجة من أي وقت مضى إلى ألحان عبدالعزيز ناصر، لأن اللحن صيغة وجود وإحساس كينونة، الوطن ليس سوى لحن يردده ابناؤه، الملحن فيه من الشفافية ما لم تجده عنده غيره، هناك ألحان خلدت أوطانا، كبار الموسيقين والملحنين بمثابة رُسل داخل اوطانهم تعزف سيمفونياتهم وألحانهم عبر الاجيال، الخلود في الدنيا هو خلود اللحن سواء كان شعرا أو لحنا، ألحان عبدالعزيز ناصر مزجت بين الفريج القطري والمدينة العربية، موسيقاه عكست سكيك الدوحة في مرآة عروبة الأمة، أستمع إليه في أحبك يا قدس أشعر أن القدس ليست مكانا جغرافيا بقدر ما هي روح تسكنني، أستمع إليه في «واقف على بابكم» أشعر ببراءة الإحساس وصدق المشاعر في الحب وكأنه يعيدنا إلى أيام جميل بثينة أو كُثير عزة، يخرجني لحنه في «الله يا عمري قطر» من ضيق المكان إلى فضاء محبة الأوطان، أقف مشدوها أمام السلام الوطني الذي رسم فيه هذه الكلمات المعبرة لحنا رائعا أخرجه بها من رسمية السلام الوطني إلى شعبية المواطن العاشق لبلده، المردد لاسمها، نحتاج عبدالعزيز ناصر اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن الآذان أصابها الصمم من سماع النشاز، نحتاج ألحان عبدالعزيز ناصر اليوم لان الأصالة في مجتمعنا تتعرض لرياح عاتية تكاد تقتلعها من الجذور، نحتاج موسيقى عبدالعزيز ناصر اليوم التي صورت لنا الحارة والفريج الذي اختفى من الواقع ليعيش في ذاكرة اهله وساكنيه، تحتاجه الدوحة حتى تغني بلابلها، تحتاجه قطر حتى يرسمها لحنا يعانق السماء، رحل باكرا كما ترحل الطيور بأعذب الألحان، لم نصغ إليه جيدا، لأن ألحانه لم تكن فقط لتردد وإنما لتعاش شعورا وأحاسيس، عبدالعزيز ناصر كان ينتشل الوطن بلحن جديد عندما يشعر أن مسامع هذا الوطن قد أصغت لغير بلابله، لم نستمع إليه جيدا لأنه يحكي مسيرة سلام وحب، لم نصغ إليه بما فيه الكفاية لأن ألحانه كان تسرد حكاية تآلف وود، لم نصغ إليه بما فيه الكفاية لأن ألحانه كانت صياغة ارتباط عضوي بين الإنسان والفريج والوطن والحكم، أخاف على سمع الوطن أن يُختطف بعده أو أن يشنف بنشاز، وهو الذي كان حريصا على إحساسه وأصالته، رحم الله هذا الفنان الإنسان وأكرم مثواه ولأهله ولقطر عظيم العزاء والمواساة.
بقلم : عبدالعزيز محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر