كتاب وأراء

الوضع الاقليمي معقد... الطريق لاستقرار تركيا؟

بات جليا أن محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو في تركيا هي من تداعيات الوضع المضطرب في سوريا منذ 6 سنوات، بما صدره هذا الوضع من تهديدات أمنية نفذها تنظيم «داعش»، ومن انتعاش نشاط الأكراد وما يحمله من نزعات انفصالية، وكلاهما انطلق من سوريا.
لقد تزايدت ضغوط الأوضاع الإقليمية في الفترة الأخيرة على الأوضاع الداخلية التركية، ولم يكن مستبعدا أن يتأثر تماسك الجيش بما تفرزه الأوضاع الإقليمية من تهديدات بدليل أن السلطات كانت تتوقع محاولة من هذا النوع تتم في أغسطس المقبل وفقا لما جاء على لسان بعض الخبراء الأتراك. ولعل التحركات التي قامت بها أنقرة مؤخرا من استعادة العلاقات الطيبة مع روسيا وإسرائيل، فضلا عن تحسين علاقاتها من قبل مع طهران، يصب في إطار احتواء التهديدات الإقليمية.
كان رئيس الوزراء التركي قد صرح بأن بلاده نجحت في إعادة العلاقات الطيبة مع روسيا وإسرائيل مؤخرا، وأنها ترغب في علاقات طبيعية مع العراق وسوريا أيضا من أجل مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في المنطقة، ولكن الطبيعة المفاجئة لتصريحات يلدريم وصدورها بشكل مقتضب جعلاها حمالة أوجه بين مؤيد ذهب به الخيال بعيدا وبين متشكك ورافض رأى أنها لا تستحق المناقشة من الأصل.
ولكن بعيدا عن هذا وذاك، فإن الرسالة التركية الكامنة وراء هذه التصريحات مرتبطة بتطورات الحرب على تنظيم «داعش» وتصاعد الحل العسكري في مقابل تراجع الحل السياسي من ناحية، وبالعلاقات الأميركية الروسية أو تغير أولويات الطرفين الأميركي والروسي من ناحية أخرى. في كلا الأمرين هناك قلق تركي من نتائج كل منهما مما يؤدى إلى إقصاء الدور التركي في الأزمة السورية. وفي هذه الحالة فإن عدم استقرار تركيا يصبح العنوان الأبرز في المشهد الإقليمي برمته.
ومن ثم تريد أنقرة أن تتماشى وتتوافق مع هذه المستجدات بما لا يجعل أية تسوية متوقعة يجرى التدبير لها لإعادة الاستقرار في سوريا، تتم على حساب مصالحها وأمنها القومي. لقد أدى تصاعد العمليات الإرهابية لتنظيم «داعش» إلى إعادة ترتيب الأولويات في مسار الأزمة السورية بالتركيز على الحرب مع التنظيم. هكذا تصاعد الدور الأميركي في الحرب على التنظيم في العراق كما تصاعد التنسيق الأميركي الروسي في الحرب على التنظيم في سوريا. وحيث أن قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة تتقدم في شرق حلب، فإن أنقرة تتخوف من تقدم الأكراد في شمال سوريا بما يعزز من موقف الأكراد في تركيا وينعش الميول الانفصالية مجددا، كما تتخوف من انفراد روسيا والولايات المتحدة بتقرير مصير المستقبل السياسي في العراق وسوريا بعيدا عنها. في الماضي كان الهدف إسقاط النظام أولا، والآن يتم تعديل الأولويات ليبدأ حل الأزمة في سوريا بهزيمة التنظيم أولا. وفي ضوء هذا التطور فإن مصير التسوية السياسية وفقا لصيغة جنيف يصبح مرهونا بنتائج هذه الحرب وليس بالمعركة مع النظام. وليس من الواضح إلى أين تتجه التسوية إذا ما تم القضاء على التنظيم، هل تبقى كما هي ويجرى تفعيلها بضغط شديد من كل من روسيا والولايات المتحدة، أم تفكر الدولتان في بدائل سياسية أخرى وفقا لهذا التطور أو ذاك؟. تركيا معنية بكل هذه التطورات والتساؤلات حفاظا على استقرارها في المقام الأول ومن ثم مهتمة أكثر من أي وقت مضى بأن تكون جزءا من الحل أيا كان هذا الحل، لأن استقرارها أصبح من استقرار سوريا.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد