كتاب وأراء

الإسلام والشعور بالوحدة الاجتماعية

كان الأستاذ أمين الخولي يرحمه الله أول من أفاض في شرح هذه الحقيقة، وهي أن الشعور بالوحدة الاجتماعية يبدو في الإسلام قويا بصورة لا مثيل لها في الديانات الأخرى، فالقرآن يذكر أن «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحكيا الناس جميعا، وفي هذه القاعدة الإلهية وضع ربنا نظاما للرابطة الاجتماعية بين أبناء المجتمع المسلم تجعله كيانا واحدا وليس مجموعة أفراد، وتفسير ذلك في قول الرسول إن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، فالمجتمع المسلم كيان واحد، بناء واحد متماسك مترابط يتفاعل كل جزء فيه ببقية الأجزاء. ومن الشواهد على ذلك فرض الزكاة الواجبة كركن من أركان الإسلام ومن ينكره أو يتحايل عليه فإن عقاب الله شديد لأن إسلامه ناقص وإيمانه وإخلاصه لله فيه شك، والرابطة الاجتماعية التي يفرضها الإسلام تتجلى في سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قدوة المسلم وكل مسلم لكي يكون إسلامه كاملاً عليه أن يفعل ما كان الرسول يفعله، وقد كان الرسول يسأل عن أصحابه إذا غاب أحدهم، ويزور المرضى حتى من غير المسلمين وذكر لنا في الحديث القدسي عن رب العزة إنه قال إنك إن زرت مريضا لوجدت الله عنده، وكان الرسول يرشد أصحابه بألا يطول الخصام بينهم أكثر من ثلاثة أيام وخيرهم من بدأ السلام. ولعلنا نلحظ أن القرآن تضمن آيات كثيرة عن الصدقات والإنفاق في سبيل الله ولذوي القربى واليتامى والفقراء والمساكين والغارمين العاجزين عن سداد ديونهم وفي تعمير بيوت الله وتتجلى روح التضامن في اجتماع المسلمين من مختلف أنحاء العالم في الحج، وهم يحملون جنسيات مختلفة ويتكلمون بلغات مختلفة، ولهم مذاهب مختلفة وملابس مختلفة، وألوان مختلفة، ولكنهم يتوحدون في نداء واحد لا يختليفون عليه: لبيك اللهم لبيك.. ويخلعون ملابسهم التي تظهر الاختلاف ويقفون أمام الله على عرفات بملابس الإحرام الموحدة، الغني والفقير لا فرق ولا اختلاف كلهم سواسية كأسنان المشط أمام الله ولا يتميزون إلا بالعمل الصالح وبمقدار ما في قلوبهم من الإيمان والطاعة.. وحين يهتفون (الله أكبر) لا إله إلا الله.. شعار إسلامي له وقعه الاجتماعي الرائع.. يتردد في كل لقاء جماعي في صلاة الجمعة وصلاة العيدين.. بل وفي كل صلاة جماعة والصلاة في جماعة لها أجر يفوق صلاة المسلم بمفرده، وكل ذلك تعبير عن التوجيه الإلهي بتضامن المسلمين وتوحيد صفوفهم وتعدد مناسبات اجتماعهم ليقفوا أمام الله صفوفا متراصة تشعرهم بما منحه لهم الإسلام من قوة معنوية واعتزاز بالانتماء إلى جماعة المؤمنين ويتأملون قول الله: إنما المؤمنون إخوة.. وجوهر التشريع الإسلامي هو رعاية الإنسان وحماية المجتمع، وإقامة الأعمدة التي ترفع الإنسان وتحمي مجتمع وهي الأخلاق والضمير ويكفي أن الله خلق الإنسان ليكون خليفته على الأرض «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة... الخ» وفي ذلك قمة التكريم للإنسان وقد نفخ فيه الله من روحه وسواه بيده وعلمه ما لا يعمله وفضله على الملائكة بأن علمه الأسماء كلها أي أنه سبحانه اختص الإنسان بالعلم، وبذلك أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم وهو الإنسان الأول وأكثر من ذلك فإن الله يقول في كتابه العزيز إنه تعالى سخر للإنسان الشمس والقمر والليل والنهار وقال سبحانه (ولقد كرمنا بني آدم) وكل هذا التكريم وهذا التفضيل لأن الله اختص الإنسان برسالة لم يستطع حملها غيره (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا). إن وحدة المسلمين فرض من الفروض التي ألزم الله المسلمين بها لأن الإسلام في حقيقته هو القوة الروحية التي تجمع المؤمنين به وتوحد بينهم وتجعل «الكل في واحد» وكلما توجد المسلمون كلما اقتربوا من ربهم وأخلصوا في طاعته وفي تحقيق الهدف الأسمى الذي نزل به هذا الدين العظيم.

بقلم : رجب البنا

رجب البنا