كتاب وأراء

رِيشَتي مِن وَاشنطِن!

أعترف رغم بُعد المسافة عن الوطن العزيز أنِّي أعاني نزقَا كبيرا عند السفر، حيثُ أنكب على القراءة وتسجيل كل الملاحظات اللافتة في بلد الوجهة، ولأني أكتب إليكم اليوم من مقهى مكتظ بالقراء في أحد الشوارع المزدحمة في العاصمة الأميركية واشنطن دي سي، ارتأيت أن أكتب لكم في هذه الريشة الجديدة عن عدد من الكتب التي قطعت بي كما قطعت بها قبل وأثناء هذه الرحلة التعليمية حيث أزور الولايات المتحدة الأميركية ضمن برنامج الزائر الدولي حيث يتم سنويًا ترشيح عدد من القياديين الحاليين والمستقبليين للمجتمع الأميركي وذلك لتوسيع آفاقهم ولجعل المهنيين على اتصال مع نظرائهم في الولايات المتحدة ولإنشاء علاقة دائمة بهم، وفي حقيقة الأمر أعتزم تخصيص مقال خاص بهذه الزيارة حال عودتي للبلاد بحول الله وبعد اكتمال هذه التجربة المهنية المكثفة، ورغم ارتباطي بهذا البرنامج إلا أن نزق القراءة في السفر يتبعني في كل حين، حيث أحمل معي هذه الأيام وفي كل الاجتماعات كتاب (الله) لعباس محمود العقاد والذي يبدو من قراءتي الأولى له أنّهُ سيتحدث في استئنافي لصفحاته حول علاقة الإنسان بالإله من الحضارات القديمة وصولا إلى فجر الديانات السماوية الكبرى، وقد اخترت العقاد لعشقي الشديد لأسلوبه اللغوي المتين فعبقريته الكتابية تطرب النظر، وأسلوبه عميق وفلسفي حاد، وأعتقد أن كتاب (الله) جرعة قرائية كافية وشافية وسط برنامجي المكثف هاهنا.
- لا شكَّ أن الشعر إذا ما تُرجم ونُقل من لغة إلى أخرى فإنَّهُ يفقد الكثير من حلاوته ورشاقة نظمه، لاسيما إن كان الشعر مُرسلًا (حُرًا)، ففي كتاب (براعم الأمل) وهو عبارة عن مختارات شعرية مترجمة للشاعر الصيني وانغ جوه چن، تجد أنَّ المترجمة مي عاشور تقوم بمحاولة التوفيق بين الترجمة وبين إيصال ما يقصده شاعر الصين من رمزيات حرّة في نظمه، حقيقًة وجدتُي أتفحص النص بعينين، عين تبحث عن حلاوة المعنى وعين تبحث عن جمال الأسلوب، فوجدت أنّي لا أستقر بين القصائد، فالبعض يصل إليك والبعض الآخر يستعصي عليك الاجتهاد فيما يقصده الكاتب وفيما ترجمته عاشور، (ورطة كبيرة) أن تقرأ الشعر المرسل المترجم، ورطة لم أحسها كثيرا عندما أقرأ لشعراء فارس الكبار (حافظ، السعدي، فروغ فرخزاد، أبو قاسم الفردوسي) ربما لأن شعرهم فيه درجة بين من التأثر بالعربية، وربما لأن شعراء فارس مرهفون وقاموسهم جزل يتحمل ترجمته للغة العربية الغنيَّة، ولستُ أدعو أحدًا لقراءة (براعم الأمل)، لكنها لفتَة سريعة للانتباه للمواد الشعرية المترجمة، فقارئ الشعر يقبل على المادة وكأنّهُ في حضرة (كعكة مليئة بالشوكولا/ تشبيه رمضاني بليغ)، وصعوبة تحقيق رهان الترجمة في مثل هذه النصوص الرمزية الحرَّة تجعل القارئ المتلذذ يشعر بوعكة ومغص قبيل انتهاء القراءة، لذا عزيزي لا تقرأ مثل هذا فإنك ستنظر للنص بعلو وازدراء وهذا لا يليق بجهد المترجم ولا بحس الشاعر كاتب النص، لكنها (حقيقة) النتيجة، فليست كل النصوص ناجحة عند الترجمة!
- تبارك الله أحسن الخالقين، كلما قرأت كتابا للجهبذ والمفكر الراحل مصطفى محمود امتلأت نفسي علياء وغبطة منه، فكل كتاب أفرغ منه أكتشف عمق ثقافة الراحل أكثر فأكثر وقوته في مجال العلوم والدين والفلسفة والأدب جنبا إلى جنب أسلوبه التعبيري الراقي، ومن ضمن الكتب التي أتممتها له كان كتاب (عصر القرود)، والذي يعتبر من القطع الصغير جدا، فصفحاته لا تتعدى 90 صفحة، يضم مجموعة من المقالات المنفصلة، يرسم الكاتب للوحة واحدة تدور حول غياب الإنسانية الحقيقية وتراجع الإنسان رغم تقدمه ليصبح أقرب للحيوان (مشبها إياه بالقرد) ليبدأ عصر القرود الذين يسيطرون على الغاب (الدنيا)، كتاب يختلف عن كتب الراحل الكبير، فأنت تقرأ الكثير من التأكيد لفكرة الشهوة والمادية والحيوانية (أعزكم الله) التي سادت الغاب، كما يلوم الكاتب المرأة التي (تقدمت/ تراجعت) نحو فكرة الإلهاء والمتعة وأصبحت (حيّةٌ تسعى) من أجل لفت الأنظار وشحت الإعجاب والحب، في هذا الكتاب أجد مصطفى محمود كاتبا جريئا جدا، فكلماته وتعابيره ووصفه مغاير تماما لكتبه التي عرّجت عليها في وقت سابق من العمر: (حوار مع صديقي الملحد، الروح والجسد، المسيخ الدجال، الشيطان يحكم)، هنا أجده يزجُ بعناوين: مفاجئة، فجّة، موبّخَة وفيها كثير من الازدراء (كما أرى) ممزوجٌ بكم كبير من التوبيخ، وكأنه يكتب وهو يصرخ، هذا ما أجده حقا في المقالات الأولى في الكتاب، وأجد أن الصراخ يخفت شيئا فشيئا حتى نصل للمقالات الأخيرة التي يُظهر فيها جانب التصوف في شخصيته، وهنا أعترف أني شخصيا أحب القراءة للمتصوفة من العُربِ والعُجم ولست منهم! ربما كان هذا من دواعِي إعجابي بالخاتمة أكثر.
- ختامًا، ورغم الضوضاء الكبيرة التي تعتري هذا المقهى الذي أكتب فيه إليكم وأصوات ارتشاف القهوة تتعالى وتتزاحم مع أصوات زوار المكان والمارة إلا أنًّهُ من الملاحظ حولي هاهنا أنّ عددا كبيرا يحمل كتابا يطل خلاله على عالم خاص ثري، وإني من خلال هذا المنظر المغري للقراءة أكثر وخلال هذه المدينة الفيدرالية المزدحمة أدعوكم للاستفادة من أجواء الصيف والتركيز على القراءة النوعية الجادة.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي