كتاب وأراء

والله غالب على أمره

في يوم الجمعة الماضي، وبينما كنت مشغولاً في البحث عن تفاصيل خبر الكشف الصفحات المحجوبة في تقرير الكونغرس حول أحداث سبتمبر، والذي عنى بتبرئة السعودية من أي دور في أحداث سبتمبر، أقول وبينما كنت مشغولا في هذا الخبر- والذي كان مهماً حتى حينها- وإذْ بالاخبار العاجلة تتوالى من اسطنبول حول ما تم وصفه «بتحركات غريبة للجيش» و«اغلاق جسور مضيق البوسفور» و«تواجد لآليات الجيش في محيط مطار أتاتورك»! لتصرف نظري عن كل شيءٍ عداها، فقد كانت عناوين غامضة إلا أنها كانت تحمل ملامح واضحة لوجه «الانقلاب العسكري».
وبعد دقائق فقط، جاءت الإجابة مزلزلة عبر البيان الأول والذي أذاعته قناة تي آر تي لا من خلال جنرال أو عقيد بل من خلال مذيعة شقراء لسان حال قميصها يقول إن «ليلة زرقاء» تنتظر تركيا! الجيش يسيطر على البلاد، ويعلن الانقلاب على الحكومة المنتخبة، ويعد بتشكيل دستور جديد، ويتعهد بإبقاء العلاقات الخارجية كما هي مع إعلان الأحكام العرفية!
لم أستوعب الأمر أبداً، فكيف لدولة عضو مؤسسة في حلف الناتو، ويحتل اقتصادها المرتبة السادسة عشرة عالمياً، وتمتلك مؤسسات دستورية عريقة وراسخة، وتحكمها حكومة أغلبية مطلقة، كيف لدولة مثلها أن يحدث فيها مثل هذا العمل العسكري المتخلف؟! والذي لم يعد صالحاً للاستخدام حتى في دول العالم الثالث!
لم تطل حيرتي ولا تساؤلي، فبمجرد توالي ردود الفعل الدولية حتى أدركت أن القرار وإن كان اتخذ داخليا إلا أن «رضى وتغاضي» القوى الدولية الكبرى والإقليمية- على أقل تقدير- مع/ وعن هذه القوى الداخلية كان واضحاً.
فالاتحاد الأوروبي لم يعترض على المساس بالنظام الديمقراطي لتركيا بل اكتفى بالتصريح «أن العملية كبيرة وليست فقط من مجموعة صغيرة في الجيش» ولا أعلم كيف لنا أن نقول إن هذا التصريح لا يعدّ «تسويقاً للانقلاب ودفاعاً عنه»!، أما حلف الناتو فدعا إلى «الهدوء وضبط النفس والاحترام الكامل للمؤسسات الدستورية التركية والدستور» في ما يشبه اللعب على الحبال! وأما الولايات المتحدة فلم تخرج الأخبار الواردة منها عن «مكالمة بين أوباما وكيري لمناقشة الوضع التركي» و«اطلع الرئيس على آخر تطورات الأزمة في تركيا»!
خرج الرئيس أردوغان عبر «الفيس تايم» ودعا الشعب للخروج دفاعاً عن الشرعية والمدنية، فهب الشعب وصمد في وجه المدافع والدبابات مكشوف الرأس وعاري الصدر وخالي اليد، ومات من مات وجُرح من جُرح وبعد أخذ وردّ وشدّ وجذب أعلنت النهاية المشرّفة في نفس استديو تي آر تي وبلسان نفس المذيعة: الشعب ينتصر، الوطن ينتصر، والخونة يستسلمون!
انتصر الشعب بمعارضته وحكومته، انتصرت الطبقة السياسية بأحزابها الكارهة لأردوغان حد الحقد وحزبه الحاكم والمحب له حد التضحية كلهم ناصروا الوطن بنفس الدرجة وتصدوا للخيانة بنفس الحماس، وانتصرت المؤسسات، وانتصرت الدولة، وانتصر الإنسان.
فتركيا- كما تبدو- دولة عظيمة عصيّة على المؤامرات وألاعيب الاستخبارات الدولية. والشعب التركي- كما يبدو- شعب عظيم، يعرف كيف يختلف مع حكومته- ويكرهها حتى- ولكنه لا يعرف كيف يخون وطنه أو يسمح لخونة الوطن بالحكم.
«والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون» (يوسف:21)

بقلم : صلاح العرجاني

صلاح العرجاني