كتاب وأراء

اكثر من انقلاب

حقاً لقد تغير العالم من حولنا، وأصبحنا على صلة بكل ما يحدث فيه عاطفياً، أو واقعياً. ليلة الانقلاب الآثمة في تركيا كثيرون منا لم يناموا قلقاً، وخوفاً عليها. وكأن مصير هذا الشعب، ومصير هذه الدولة في مواجهتها للانقلاب مصيرٌ لكل حر، وباحث عن الحياة الكريمة، بعد أن نكبهم العسكر في هذه الدولة وفي دول أخرى، نكبات اغتالوا معها مستقبل شعوب، وحياتها كي يظل لهم الحكم امتدادا لغطرستهم، واستيلاء على ثروات البلاد، والعباد، وعمالة لأطراف خارجية تفيد من جعل الدول الأخرى كيانات ضعيفة، راضخة لتسلطها، واستغلالها، وإملاءاتها.
لذلك كله، وبعد التجارب المؤلمة العديدة مع انقلابات العسكر، وآخرها في مصر، وما ترتب عليها من نتائج كارثية، ما كنا نتحمل انقلابا آخر في تركيا الدولة المسلمة الحليفة، الناهضة بعد أن خرجت تدريجيا من عباءة العسكر، والمتلازمة الديكتاتورية لها متمثلة في العلمانية المتطرفة.
في يوم مهيب، ومنظر تهتز له القلوب تلقت عقود من العسكرة والعلمنة في تركيا صفعة قوية بيد شعب خرج مهللاً، مكبراً، رافضاً للانقلاب، ولعودة الديكتاتورية الدموية في رسالة صادمة للعالم تظهر حجم التغيير الذي حدث في تركيا والتي تحدث شعبها، ورئيسها باسم الله عز وجل، ولعبت المساجد دوراً رئيساً في تجميع الشعب، ودعوته كي يقف في وجه الانقلابيين حتى قيل إن الانقلاب هزم بالمساجد.
اللافت أن الغرب لم يستطع أن يخفي فرحته عند حدوث الانقلاب، وأمله بنجاحه، كان ذلك جلياً في صمته حتى تيقنه أن الانقلاب قد فشل ثم استنكره بعد ذلك على استحياء بينما أخرجت وسائل التواصل الاجتماعي كل ما لم يعلن رسمياً، وأضمره القوم.
ولم يكن هذا الخطاب مقتصراً على السياسيين، والمفكرين، وأعضاء اليمين المتطرف بل تعدى ذلك إلى أصوات من شباب الغرب ينتظر سقوط إسطنبول، وعودة القسطنطينية مصداقاً لنبوءة أحد القسيسين الذي تنبأ بروما ثالثة تقوم بعد استعادة القسطنطينية من المسلمين وقد كتب أحدهم «بعد ألفية من الاحتلال، والاضطهاد فإن الانقلاب العسكري انبعاث جديد للقسطنطينية كما هو مقدر لها». وكتب آخر «حتى لو فشل الانقلاب فإنه يجب علينا العمل لاستعادة القسطنطينية» هذا غيض من فيض تغريدات القوم وتوجههم.
موقف الغرب من الانقلاب فيه سقوط هائل لكل الأقنعة التي ارتداها الغرب يوماً كحامٍ للحريات والحقوق، سقوط أثبت أنه يستطيع فعلاً حماية حقوق الكلاب ومواطنيه، ربما، لكنه غير مستعد لحماية حقوق الإنسان العربي، والمسلم المستوطن لأرض تعج بالثروات استباحها، من أصول تطوره، ونهضته المادية. بالإضافة إلى أحقاد تاريخية لا تختلف عن أحقاد الفرس تجاهنا. وما عاد الغرب يستطيع أن يلعب معنا الدورين في الوقت ذاته، حامي الحريات ومغتصب الثروات.
في النهاية علينا أن نعيد حساباتنا، وأن نعي حقيقة في عالم اليوم من هو عدونا، ومن هو صديقنا، علينا بما وصلنا إليه من وعي أن نقف في وجه دعاة التغريب من أبناء جلدتنا، أولئك الذين احتفلوا بهذا الانقلاب، وأشادوا به منذ أول لحظة وجعلهم ذلك يقفون في طابور واحد مع أعداء الأمة، وأعداء الحريات.
بقلم : مها محمد

مها محمد