كتاب وأراء

انتصار الديمقراطية التركي

ما حقيقة ما حدث في تركيا قبل أيام؟ هذا سؤال طرحه الملايين سرا وعلانية إثر فشل الانقلاب الذي قامت به مجموعات من الجيش التركي ضد حكومة حزب التنمية والعدالة بزعيمها الرئيس رجب طيب أردوغان؟ إذ ردد كثيرون أن ما حدث هو مجرد تمثيلية متفق عليها سابقا تعطي لأردوغان مشروعية تصفية الجيش والدولة من خصومه وتبيح له التنكيل بمعارضيه دون أن يعترض أحد، فالانقلاب لو نجح كان سيؤدي إلى انقسام في الجيش، وبالتالي إلى بداية حرب أهلية، يقول آخرون، إن فرنسا كانت قد أعلنت قبل يومين من الانقلاب عن إغلاقها لسفارتها وقنصلياتها في تركيا أياما عديدة لأسباب أمنية، وهذا يعني، مع ما حدث، أن فرنسا على علم بأن شيئا خطيرا ما سيحدث في تركيا، ومع الإعلان عن الانقلاب اتضح أنه قد يكون هو هذا الحدث الخطير، وبغض النظر عن الأقاويل السابقة فإن ما حدث في تركيا يؤسس لمرحلة جديدة لما يحدث في هذه المنطقة من العالم، لا سيما بما يختص بالوضع السوري الأكثر تداخلا مع الحالة التركية، ليس فقط لاتساع الحدود بين البلدين، بل لوجود هذا العدد الهائل من السوريين المهجرين في تركيا، ولوجود الحلم الكردي القديم بالانفصال وتشكيل إقليم كردي ممتد من تركيا إلى سوريا إلى العراق، وهو ما كان دائما أحد الملفات الشائكة في السياسة التركية الداخلية والخارجية معا، وأيضا كون تركيا كانت معبرا للجهاديين من مرتزقة داعش والقاعدة الذين دخلوا سوريا مع عائلاتهم وساهموا بتهجير السوريين من مناطق الشمال السوري بالتزامن مع تهجير النظام السوري لهم، واستوطنوا في المدن والقرى التي اضطر أهلوها لتركها هربا من الموت القادم إليهم من كل الجهات، فشل الانقلاب بالطريقة التي حصل بها عزز من أسهم أردوغان في الملفات الخارجية بقدر تعزيزها في الداخل التركي، فوقوف حتى أشد معارضيه عداوة له ضد الانقلاب ربما سينتج عنه تغيير ما في الوضع السياسي التركي الداخلي، وسينعكس ربما على توحيد الموقف من الملفات في السياسة الخارجية، فهذا الالتفاف المذهل لحماية الديمقراطية من قبل المعارضة والشعب التركي، سيجعل من الصعوبة بمكان اللعب سياسيا على تناقضات السياسة التركية الداخلية لتحقيق مصالح للدول العظمى على حساب تركيا، وهو ما سيجعل تركيا تفرض حضورها بقوة في الترتيبات الجيوسياسية القادمة للمنطقة، خصوصا لو تم الاتفاق على الوصول إلى تسوية سياسية خاصة بسوريا، بكل حال، يبقى كل ما سبق هو احتمالات مفتوحة على ما سيحدث في الأيام القادمة في تركيا وما حولها، فمن المؤكد أن تركيا اليوم ليست نفسها قبل أيام، مهما كانت نتائج الانقلاب الفاشل.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران