كتاب وأراء

الانقلابات العسكرية.. وصفة للفوضى

ارتبطت الانقلابات العسكرية كظاهرة بالدول النامية، ويتم تسويق كل انقلاب للشعب على أنه فرصة للخروج من أزمة سياسية أو لتحرير الشعب من ظروف سيئة رغم أن الوقائع تكشف أن الانقلابات هي مرض سلطة وليست علاجا للمشكلات لأنه غالبا ما يؤدي إلى بناء أنظمة مستبدة ومغلقة والتي حتى وإن جلبت الاستقرار السياسي لفترة فإن النتيجة الأكثر شيوعا هي أنها تفضي إلى ثورات لاحقة أو إلى حروب أهلية وسلسلة من الانقلابات المتلاحقة ذلك أن الانقلاب ومهما كان الشعار الذي يرفعه أو الأرضية التي ينطلق منها يظل فعلا غير مشروع لأنه انبنى على القوة، والقوة تؤسس واقعا ولا تضفي شرعية، فهناك فرق بين الأمر الواقع (القائم على الإلزام والخوف) والأمر المشروع وهو أن يكون الحكم نابعا من إرادة المحكومين وأن يبقى الحق قيمة أخلاقية وقانونية تتوافر للمواطن دون إلزام أو خوف بل من خلال الشعور بالواجب.
ولهذا كان من الطبيعي أن يكون الهاجس المركزي لدى كل الانقلابيين هو كيف يمكن إكساب فعلهم الانقلابي صيغة شرعية من خلال اتخاذ خطوات لاحقة سواء من خلال تشريك بعض المدنيين معهم في السلطة أو من خلال إجراء انتخابات شكلية ليظل العسكر هم الحكام الفعليين من وراء الستار.
ونلاحظ أن الانقلابات العسكرية على أصناف مختلفة وإن كان جوهرها واحدا وهو الوصول للسلطة من خلال القوة أو الإطاحة بسلطة قائمة بعيدا عن الآليات الديمقراطية المعروفة (آلية الانتخابات والصناديق) فبعض الانقلابات تتم تحت ذريعة تحسين فعالية الحكومة (بدعوى فشل الحاكم المنتخب) أو استعادة النظام العام أو محاربة الفساد وهي تؤدي عموما إلى تغيير الأشخاص لكنها لا تغير هيكل النظام السياسي ولا تأتي بإصلاحات فعلية بل على العكس من ذلك غالبا ما تغرق الطغمة العسكرية في الفساد (وأبرز نموذج لمثل هذه الانقلابات انقلاب برويز مشرف في باكستان 1999 والانقلاب التركي سنة 1981).
وثمة نمط آخر من الانقلابات التي تأتي لمنع المسار الديمقراطي من الاستمرار خاصة إذا شكلت القوى السياسية الصاعدة انتخابيا خطرا على مصالح القوة العسكرية وأبرز نموذج لهذه الانقلابات التي تكون في غالب الأوقات غاية في الدموية (انقلاب سنة 1973 في الشيلي ضد الرئيس المنتخب سلفادور اللندي والانقلاب في الجزائر سنة 1992 بعد فوز جبهة الإنقاذ في الانتخابات والانقلاب المصري سنة 2013).
وهناك انقلابات نادرة قامت بإعادة توزيع السلطة في بلدها وشكلت تمردا ضد نظام استبدادي مغلق ويسمى هذا النوع من الانقلاب بالانقلابات الاختراقية ويقوم بها صغار الضباط والجنود ضد حاكم مستبد قبل العودة إلى ثكناتهم واستئناف المسار الديمقراطي (وأبرز مثال عليها انقلاب الضباط باليونان سنة 1967 وانقلاب البرتغال سنة 1974).
وتبقى كل أشكال الانقلاب خطيرة لأنها تنبني على مجازفات قد تفضي أحيانا إلى الفوضى أو إلى تفكك الجيش والبلد (النموذج الصومالي بعد الانقلاب على سياد بري 1991). وهي في أحيان كثيرة تفضي إلى ظهور أنظمة استبدادية شديدة القسوة وفاشلة في التنمية أو حتى في الدفاع عن حرمات الوطن الذي ادعى العسكريون السهر على حمايته، وبقي أن نشير في هذا السياق إلى أن ثمة نماذج ناجحة لإفشال انقلابات عسكرية عبر الإرادة الشعبية لعل أشهرها الانقلاب على الرئيس الفنزويلي (2002) أو ما حصل من إفشال للمحاولة الانقلابية الأخيرة ضد النظام الديمقراطي في تركيا.
إن الإرادة الشعبية تظل في النهاية أقوى من إرادة الانقلابيين مهما كانوا وحتى إن استقر لهم الوضع لفترة فإن انهيار نظامهم مسألة وقت ليس إلا وكما يقول روسو «ليس الأقوى بقوي دائما قوة تجعله يسود أبدا إذا لم يحول قوته حقا والطاعة واجبا»، ولا تصبح القوة حقا والطاعة واجبا إلا إذا كانت نتيجة للإرادة الشعبية الحرة وعبر صناديق الاقتراع وليس غيرها.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي