كتاب وأراء

فضوها سيرة .. ما له إلا الجزيرة



اهتمام القيادة نقل هذه الرياضة إلى عالم جميل ومثير

ما بين فوز «النويعس» بسيف سمو أمير البلاد المفدى، في مطلع التسعينيات، إلى احتفاظ «المعجزة» الجزيرة مساء أمس باللقب الغالي.. تشكلت علاقتي برياضة الآباء والأجداد، وشهدت الكثير من التحولات والمحطات.. كحال هذه الرياضة التي أرادت لها القيادة الحكيمة، أن تكون في وضع تستحقه باعتبارها من التراث العربي الأصيل والذي يجب المحافظة عليه، فكان الدعم مباشراً ومن أرض الميدان عبر التفاصيل الدقيقة.. والتي نقلت هذه الرياضة من الهواية إلى الاحتراف بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

ارتباطي بهذه الرياضة كان «متفاوتاً» ما بين المتابعة عبر الشاشات، أو من خلال الملاحق والصفحات، أو عبر العزب والمجالس و»القروبات»..

لكن كـ «مراقب إعلامي» أستطيع أن أوجز خلاصة الحديث في أن هذه الرياضة تحولت إلى «عالم خاص» فيه الكثير من الإثارة والتشويق والاقتصاد والتسويق، والصخب و»الأكشن» الذي يستحق أن نتوقف عنده والذي صنع منها رياضة حقيقية مكتملة الأضلاع من منشآت وبنية تحتية وخدمات لوجستية وطبية ومراكز للمختبرات ومستشفيات وسوق تنقلات «ميركاتو الهجن» مما أشعل بورصة البيع والمشترى..

وكل ذلك انعكس على الميدان فأثمر مستويات فنية حقيقية ومتابعات جماهيرية وتغطيات إعلامية وشركات راعية.. فأصبحنا أمام رياضة مهمة تستحق أن يحتفى بها للأسباب الرياضية والاقتصادية والاجتماعية.. المذكورة أعلاه.

وشهدت سباقات الهجن طوال السنوات الماضية اهتماماً متزايداً من المسؤولين ومن الملاك والمضمرين والشركات الراعية وقنوات التليفزيون والصحافة.. حتى أصبحت لها «قيمة سوقية كبيرة» ومشاهدة عالية ومثيرة، مما دفع عجلة التمويل، ورفع من أسعار الهجن إلى «الملايين» والمضمرين من هواة إلى «محترفين».

ونقطة التحول في رفع مستوى سباقات الهجن في الفترة الأخيرة هي وجود «3» عزب سوبر تتنافس بينها بندية كبيرة لم يسبق لها مثيل وكأنك تتفرج على مباريات في دوري الأبطال CHAMPIONS LEAGUE.

طبعاً.. هنا أقصد الشيحانية والعاصفة والرئاسة.. والتي تثري جميع السباقات الكبرى في قطر ودبي وأبوظبي على ميادين الشيحانية والمرموم والوثبة.. حتى أضحت دورة خليج أخرى على طريق البطولة الأم صاحبة التاريخ والشعبية «كرة القدم».. ولا أذيع سراً إن قلت إن هذه الرياضة تحتل «الترتيب الثاني» في الشعبية، لما تتمتع به من دعم رسمي وحضور إعلامي وشغف جماهيري.

عندما ينطلق شوط فيه خليط من هجن العزب الثلاث «السوبر» تحتار في التوقعات والترشيحات، فكل عزبة تقول: «الزود عندي».

لكن يوم أمس.. وفي مسك الختام «سكت الكلام».. ووقف الجميع «تعظيم سلام» للجزيرة.. محطمة الأرقام ومبخرة الأحلام..

كان يوماً شيحانياً بامتياز أبدع فيه عملاق المضمرين سلطان الوهيبي والذهبي سالم بن فاران والبرنس جار الله بن عقيل والقادم بقوة خليفة بن حمد العطية.. والمشاغب محمد بن خالد العطية والواعد حمد بن علي بن حلفان.

الجزيرة لا تعرف غير الذهب وشعارها «السيف.. والسيف الآخر».. تقدمت «في العمق» وخطفت الأمتار الأخيرة وكأن البقية ذهبوا في «الاتجاه المعاكس».. فيما الإعلام يوثق الصورة ويرصد «ما وراء الخبر».. والجزيرة تقترب من «سيف النصر».. وجمهورها يستعرض إنجازاتها ويحفظ تاريخها و«شاهد على العصر».

وبصراحة حتى أنا لم أتمالك أعصابي ومشاعري وأنا أشاهد شوط السيف الذهبي بكل ما فيه من ضغط نفسي وتحد ومنافسة شريفة وكلي أمل أن يبقى في الشيحانية.. حتى انقضت الـ«12» دقيقة وكأنها «12» ساعة..

المعلق والجمهور و«هرنات» السيارات والكاميرات المعلقة وصيحات المضمرين.. تضعك في حالة من الغليان حتى لو كانت مشاعرك من «الثلج الأبيض»!

ولا أذكر أني احتفلت بقوة وبمشاعر هادرة إلا في مناسبتين، عندما فزنا بلقب «خليجي 17» في الدوحة بعد تسجيل محمد صقر آخر ضربة ترجيحية، فكان زميلي الواقف بجواري عبدالعزيز معرفيه نائب مدير التحرير في الزميلة «الشرق» ينتظر مثلي هذه اللحظة على أحر من الجمر، فتعانقنا بحرارة وأصبحنا ندور حول أنفسنا مع ترديد «حيوا العنابي حيوه».. ودون أن أشعر انزلق عقالي من فوق الغترة وأخذ يتدحرج على المدرج !

والمناسبة الأخرى احتفلت في استاد خليفة 1999، في نهائي كأس الأمير بعد إعلان الريان بطلاً لأول مرة..

وكانت مع شخص غريب لا أعرفه لكن هو رياني وفيٌ لفريقه.. حضر وشجّع وذرف الدموع.. فاحتفلنا سوياً.. ولا يعرف أحدنا الآخر.. ولكن جمعنا «حب الريان».

ولا شك أن حالة التعاطف الكبير التي عشتها أمس مع شوط الجزيرة كان أحد أسبابها المبدع سعد بن متلع.. فصوته الشجي وحماسه الكبير ودموعه الغالية.. أثرت فينا وحركت مشاعرنا.. خاصة بعد إعلان فوز الجزيرة وإعلان اعتزالها.. خبر لا تتحمله المشاعر.. الفوز فرحة كبيرة.. وابتعادها عن المضمار خسارة مريرة ولكن الأكيد أنها ستبقى في الذاكرة لسنوات طويلة.

نقاط سريعة

أعجبتني حالة الوعي المتزايد بخطورة استخدام المنشطات في سباقات الهجن علاوة على أنها أساليب مرفوضة وتتناقض مع مبدأ اللعب النظيف والعدالة.

إذ أكدت المعلومات الواردة من اللجنة المنظمة أن نسبة المنشطات في تناقص من سباق لآخر.. على أمل أن تنتهي هذه الظاهرة ونحافظ على سباقاتنا بمنافساتها الشريفة.

وفي هذا الإطار وامتداداً للنجاح الكبير لمهرجان سباق سمو الأمير لابد من توجيه الشكر والعرفان للجنة المنظمة، وعلى رأسها الرجل المخلص الشيخ حمد بن جاسم بن فيصل آل ثاني على ما تبذله من جهود كبيرة وخدمات وفيرة للمشاركين والإعلاميين.

الأستاذ أحمد علي مدير عام الوطن أطلق قبل سنوات على المضمر ناصر المقارح لقب «إيفرستو الهجن».. لتاريخه الذهبي وارتباطه بالإنجازات والألقاب.. والآن يطلق الإعلامي «المشاكس» مشعل الشمري لقب «ميسي الهجن» على الجزيرة لما تقدمه من فاصل من المهارات الفردية.. واللقطات الجمالية.. التي تنفرد بها دون غيرها.

بصراحة.. لا أخفي إعجابي بشخصية ولي عهد دبي الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم على دعمه لهذه الرياضة وحرصه على الحضور والمسايرة والمشاركة في التتويج.. وتهنئة الفائزين بكل روح رياضية، فهذه أخلاق فارس نبيل ولا نستغربها منه.

آخر نقطة..

أحد الأصدقاء قال لي أمس: لماذا لا تدخل هذا المجال كمشارك بعد أن قضيت فيه 18 عاماً كراصد إعلامي.. لتستفيد مما تعلمته وشاهدته؟..

قلت له: الفكرة موجودة.. ربما أبدأ الآن بالبحث عن «حوار» بكرة أو قعود لتكون النواة لتأسيس عزبة.. على أن تكون المنافسة الحقيقية في عام 2026 وهي نفس السنة التي قال عنها رئيس نادي الريان إن المربع الذهبي للدوري لن يتغير قبلها.

لكن السؤال الذي يقلقني.. أخشى بعد أن يكون عندي «حلال».. لا أجد عزبة بسبب الإقبال الكبير على هذه الرياضة ورغبة الكثيرين في الانضمام لها.. فأضطر حينها إلى «إيداعها» أو إعارتها.. أو ربما بيعها.. وينتهي المشروع قبل أن يبدأ..

«وكنك يا بوزيد ما غزيت»!

بقلم : محمد حمد المري

رئيس التحرير المسؤول

محمد المري