كتاب وأراء

نيس في حضرة الألم

أي قالب يمكن أن يعيشه 1.62 مليار مسلم اليوم وهم ينتشرون بين بقاع العالم كافة؟ أي حياة يريدون أن يعيشوها الآن؟ بأي قالب وأي فكر؟ وهل هي قوالب اختيارية أم أنها قوالب جديدة تخص آخرين غيرهم، من دون وجود أي خصوصية لذواتهم، أو تحديداً لهويتهم وفكرهم ودينهم أيضاً؟ كان هذا هو التساؤل الذي باغتني، وأنا أطارد الأخبار من هنا وهناك منذ أن سمعت بخبر الدهس الذي حدث قبيل أيام في مدينة نيس الواقعة جنوب فرنسا. كما الآخرين آمنت قبل أن أقرأ إعلاناً واحداً، أو تصريحاً عن مسؤولية أي خلية إرهابية سواء من داعش أو سواها، أن هذا العمل لابد أن يكون القائم به للأسف عربي ومسلم أيضاً، وإن لم يكن كذلك، فالإعلام الغربي سيوجه اتهاماته رغماً عنا لنا، وبالفعل ظهر أن الجاني منفذ هجوم نيس تونسي الهوية ويدعى محمد الحويج بوهلال، وبحسب ما ذكرته الديلي ميل فقد كان بوهلال يعاقر الخمر ويتناول لحم الخنزير ويتعاطى المخدرات، ولم يكن مسلماً، وذلك عبر تغريدة نشرتها الصحيفة الشهيرة على حسابها في «تويتر»، وقد وضعت مفردة NOT بأحرف كبيرة كتأكيد على أن الجاني لا يمت إلى الإسلام بصلة.
الحدث برمته خطيراً ومؤثراً ولا يمكن أن يكون لهُ علاقة بالإسلام بتاتاً، لقد شعرت بالحزن طويلاً، ربما لأنني أغار على ديني الإسلام، ولا أريد أن يمسه أي شائبه من المعتوهين والانتحارين والبغاة، وربما أيضاً لأنني أحب فرنسا، كوني أزورها في كل عام مرة أو مرتين، وأحب شوارعها وفساحة مناطقها، ولأنني في كل مدينة أو قرية قمت بزيارتها إلى فرنسا، كنت أجد أن معظم من يعمل في حاناتها ودكاكينها وأسواقها الصغيرة أو الكبيرة، وفي معظم الأعمال الأخرى كالصيانة وعمالة النظافة وغيرها من الأعمال المتعددة، هم من أشقائنا المهاجرين من المغرب العربي.
استطاعت فرنسا بجدارة أن تحتوي هذا الكم الكبير من المهاجرين، حتى وصل البعض منهم لأن يصبح وزيراً، ولم يبق سوى أن يكون يوماً ما حاكماً جمهورياً لفرنسا، فكيف تعاقب فرنسا على ما قدمته إلى المهاجرين المسلمين تحديداً، بهذه الهجمات القاسية والوحشية، ويأتي من يشبه بوهلال وقد خرج لتوه من السجن بعد أن أمضى به قرابة الستة أشهر، لكي يقود شاحنة ويطحن المشاة والمتجمهرين في إعلان نصر زائف لهدم ثقة الغرب بالإسلام وبالعرب أيضاً.
والتساؤل المهم فيما حدث، هل يمكن أن يكون خلف هذا الإرهاب المجنون والزاعق إيران، رداً على إقامة المؤتمر السنوي للمعارضة الإيرانية، في العاصمة الفرنسية باريس السبت الماضي، وبحضور شخصيات سياسية عالمية وعربية، إلى جانب مشاركة عشرات الآلاف من أنصار المعارضة الإيرانية، هل شعرت إيران بالغيض من الإجماع الذي حث على ضرورة إسقاط نظام الملالي، المتهم بخنق الحريات والأقليات داخلياً وتدمير محيطه خارجياً، وسعت لهذا العمل الإرهابي، التساؤل لا يزال حتى الآن مطروحاً أمام الملأ، لفهم ما إذا كان هناك دور رئيسي لإيران في هذا الحادث أم لا؟.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر