كتاب وأراء

الناصريون و«النور» والزيارة

رغم ما أثارته زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل، ولقائه مع رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو في القدس– حتى وإن كانت الغربية– من علامات استفهام وتعجب، فإنها تبقى زيارة كاشفة- لما هو مكشوف طبعا- وليست منشئة، استلهاما للتعريف القانوني للقرارات والأحكام القضائية، والذي يعرف الحكم الكاشف، بأنه الحكم الذي يصدره القاضي ويكشف عن وضع قانوني موجود سابقا فهو لا يضيف جديدا بل يكشف ويؤكد على الوضع القانوني الموجود من قبل. بينما المنشئ هو الذي يخلق وضعا قانونيا جديدا لم يكن موجودا من قبل.
لم تكن الزيارة كاشفة عن عمق العلاقة مع إسرائيل فقط، فصحف تل أبيب ومواقعها الإخبارية، ومقالات وتحليلات كتابها، ومنهم من هم أذرع للسلطة هناك، تكشف بشكل دائم، عما وصلت إليه العلاقة من حميمية، تتجاوز بمراحل ما كان عليه الوضع قبل عام 2011.
ما كشفته الزيارة، التي تضمنت استضافة وزير الخارجية المصري في منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومشاهدتهما معا نهائي بطولة أوروبا لكرة القدم، لا يتعلق بأهدافها، التي مازالت محل التباس وغموض، رغم البيانات، وإنما كان الكشف الأهم متعلقا برؤية تيارات سياسية وتعليقات رموزها على الزيارة، تيارات بنت تاريخها وشهرتها على قاعدة معارضة العلاقات المصرية مع إسرائيل، تيارات تستنكف حتى الآن في أدبياتها إلا أن تسمي الدولة العبرية بالكيان الصهيوني.. نعم عمن يسمون بالناصريين أتحدث. كما أن الكشف لم يتوقف عند حدود الناصريين، وإنما تعداه إلى من أعتبرهم الوجه الآخر للعملة، وأعني بهم حزب النور، الذين التقى متحدثهم الرسمي نادر بكار، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة والنائبة الحالية تسيبي ليفني في أميركا
لست في وارد المقارنة بين رد الفعل الناصري على الزيارة الكاشفة، وبين وقائع سابقة، أقل كثيرا من حيث القيمة السياسية، حدثت قبل 2013، لكن المقارنة مهمة مثلا بين ما فعله أحد شيوخ الناصرية، حيال واقعة استضافة النائب المطرود توفيق عكاشة للسفير الإسرائيلي في منزله، وما قاله نفس الرجل عن زيارة وزير الخارجية ولقائه بنتانياهو في القدس.
في الواقعة الأولى، غلت الدماء الناصرية في عروق النائب البرلماني كمال أحمد، فلم يكتف بالعقاب البرلماني لزميله، وإنما أضاف «التاتش الناصري» فقذف عكاشة بالحذاء تحت قبة البرلمان، استنكارا لما اقترفه من خطيئة استقبال السفير الإسرائيلي. نفس الرجل- الناصري- علق على زيارة شكري لإسرائيل قائلا: إن القاهرة وتل أبيب بينهما اتفاق سلام وعلينا أن نحترمه طالما تحترمه الدولة الأخرى، العجيب والكاشف أن هذا التعليق، رغم موضوعيته، إلا أنه يتناقض تماما مع تاريخ الناصري العتيد، الذي عارض الاتفاقية– كامب ديفيد– تحت قبة البرلمان، بل وسجن عام 1981، بسبب معارضته تلك. فسبحان من حوّل كامب ديفيد من معاهدة مرفوضة حد السجن، إلى اتفاقية يجب احترامها، ومقابلة نائب للسفير الإسرائيلي، من لقاء مدان حد «القذف بالحذاء»، إلى استقبال لقاء وزير الخارجية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بقبول حسن!

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى