كتاب وأراء

«الزينبيون» و«الفاطميون» عملاء إيران الجدد

اتضح أن النظام الإيراني أجبن من أن يخوض معاركه الطائفية بنفسه، لذا فهو يسخر الأموال المتأتية من مداخيله النفطية لشراء المرتزقة من اصحاب المذهب الشيعي ودفعهم إلى أتون معاركه الخارجية. فمن بعد شراء خدمات حزب الله اللبناني العميل، والحوثيين في اليمن، والأحزاب العراقية الطائفية للعمل نيابة عنه، هاهو يستغل أمية وفقر أتباع المذهب في باكستان وأفغانستان ويشكل منهم ميليشيات مسلحة، ويدفعهم إلى ساحات القتال في سوريا الجريحة.
لايهم نظام طهران القمعي كم من هؤلاء سيقتل، وكم جثة ستتفحم، وكم عائلة ستتيتم. فالغاية عنده تبرر الوسيلة. وهذه الغاية ليست سوى تحقيق هيمنته الإقليمية. ومن أجل هذه الغاية ظهر على مسرح الأحداث في سوريا ما يسمى بـ «لواء الزينبيين»، وهو مكون من مجموعة من المقاتلين الباكستانيين، يديرهم الحرس الثوري الإيراني، ويتحدثون لهجات بشتونية خاصة متداولة في منطقة «كورام» القبلية التي تسكنها قبائل شيعية مثل «توري» و»بنجش»، علما بأن هذه القبائل تمتعت بدعم إيران طوال السنوات التي كانت فيها حركة طالبان في السلطة، وبالتالي صارت لطهران دالة عليهم، فتأمرهم وهم يستجيبون، خصوصا وأن طهران تستخدم في عملية اقناعهم للسفر إلى سوريا عوامل مثل: تراجع التهديد الطالباني لهم، وتنامي التهديد الداعشي لمذهبهم، وضرورة بذل التضحيات من أجل الدفاع عن المراقد الشيعية المقدسة في سوريا والعراق، واعتبار سقوط نظام الأسد بمثابة كارثة لكل الشيعة حول العالم، ناهيك عن إغرائهم برعاية أسرهم ومنحهم الهوية الإيرانية إذا ما لقوا حتفهم في المعارك (أقر البرلمان الإيراني مؤخرا مشروع قانون يمنح أسر المقاتلين غير الإيرانيين ممن كلفوا من قبل إيران بمهام عسكرية أو خاصة في دولة اخرى الجنسية الإيرانية).
وهناك من ينفي أن يكون العامل المذهبي والعقائدي هو الدافع وراء انتقال هؤلاء إلى سوريا مؤكدا أن الدافع هو دافع مادي بالدرجة الأولى، بمعنى أنهم يبيعون خبراتهم القتالية التي اكتسبوها أثناء الحروب الأفغانية لنظام طهران مقابل المال، خصوصا وأنهم وأسرهم يعانون من فقر مدقع ويفتقرون للخدمات الصحية والتعليمية.
أما رأينا فهو أن كلا العاملين حاضران في الظاهرة، وربما كان العامل العقائدي أقوى بدليل أن «الزينبيون» يميزون أنفسهم بشعار شبيه بشعار حزب الله اللبناني الإرهابي، ويطلقون على أنفسهم أحيانا إسم حزب الله الباكستاني، ويشيدون في موقعهم الالكتروني بمرشد الثورة الإيرانية علي خامنائي كزعيم «مقدس»، ويتحدثون طويلا عن واجبهم المذهبي في الدفاع عن ضريح السيدة زينب.
وعلى الرغم من مناشدة قطاعات باكستانية واسعة حكومتها التدخل لمنع استغلال طهران للباكستانيين في حروبها الاقليمية، فإن إسلام آباد بقيت صامتة وكأن الأمر لا يعنيها. وكان أقصى ما فعلته هو رفض استلام جثث مواطنيها القتلى في سوريا، وهو ما أجبر طهران على دفنهم في أراضيها.
وإذا كانت المصادر الغربية المطلعة تقدر عدد عناصر «لواء الزينبيين» بحوالي خمسة آلاف عنصر، فإن الميليشيات الأفغانية الشيعية التي جلبها الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا وأطلق عليها إسم «الفاطميون» للدفاع عن نظام الأسد يقدر عددها بنحو 15 ــ 20 ألف عنصر، علما بأن هؤلاء كان عددهم في البداية لا يتجاوز 3500 مقاتلا من شيعة الهزازة المتحدثين بالفارسية والمتركزين في اقليم هيرات الأفغاني، لكنهم استمروا في التزايد كنتيجة لإلتقاط الحرس الثوري الإيراني للمزيد منهم من بين اللاجئين الأفغان المقيمين في إيران، وذلك بهدف التعويض عن الخسائر التي منيت بها قوات الاسد وحزب الله. ومما قيل في هذا السياق ان أفغانستان لم تعرف طيلة سنوات حروبها الأهلية جماعة مقاتلة بهذا الإسم، وبالتالي فهي ميليشيات جديدة تولى الحرس الثوري الإيراني تأسيسها وتدريبها للقيام بالمهمات القذرة نيابة عنه، وأختار عناصرها من أفغان كانوا يعملون في صفوف لواء أبو الفضل العباس، وأفغان لاجئين في إيران، وافغان يقضون فترة عقوبتهم في السجون الإيرانية، وأفغان التقطتهم شبكات تجنيد إيرانية متخصصة.
ومما قيل أيضا أن قائد «الفاطميون» السابق «علي رضا توسلي» ومعاونه «رضا بخشي»، اللذين قتلا العام الماضي في معارك مع الجيش السوري الحر، كانا مقربين من قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وأنهما عاشا لسنوات في مدينة مشهد حيث إكتسبا عضوية الحرس الثوري الإيراني. وعلى الرغم من هذا فإن التقارير الغربية وصفت «الفاطميون» بأرخص لحم تحرقه إيران في الجحيم السوري، وذلك في إشارة إلى ما يلاقونه من معاملة قاسية وتمييز لجهة الرواتب قياسا بحالة الميليشيات اللبنانية والعراقية العميلة لطهران.
وكما في حالة تعامل إسلام آباد مع «الزينبيون»، فإن كابول هي الأخرى لم تحتج لدى طهران على ما تفعله من حماقات بحق الأفغان الأبرياء، وظلت صامتة خوفا على ما يبدو من إثارة النظام الإيراني صاحب التاريخ الحافل في زعزعة أمن جيرانه.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني