كتاب وأراء

التــرابــي يـحــارب مــن قـبــره!

الرَّجلُ في قبره، ولم يكف عن إثارة الجدل في عالم السياسة.. رحل الدكتور حسن عبدالله الترابي، زعيم الحركة الإسلامية السودانية، عن الدنيا، وخلَّف من ورائه شهادات وإفادات في عهدة محاور قناة الجزيرة أحمد منصور في برنامجه (شاهد على العصر)، أشعلت الجدل وأوقدت جذوة الخصام بين الفرقاء الإسلاميين مرة أخرى.
الترابي قال لأحمد منصور إن قيادات إسلامية بارزة في الحزب الحاكم بالخرطوم والحركة الإسلامية- ذكرهم بالاسم- رتبوا لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995م دون علمه شخصياً وعلم الرئيس عمر البشير، وأعقبوا ذلك بوضع خطة لتصفية المنفذين بعد فشل العملية.
ما إن تم بث هذه الإفادات حتى أدلى عددٌ من شهود تلك الحقبة من السياسيين أو المنتمين للحركة الإسلامية، بآراء وإفادات تُقال لأول مرة، كما احتدم الجدل بين مؤيدين لاتهامات الترابي ومعارضين لها.
وشكَّكَ عدد من المتداخلين السياسيين في شهادة الترابي.. واعتبر المتداخلون أن طريقة تنفيذ العملية كانت فطيرة، كما أن مبلغ المليون دولار الذي ذكره الترابي حول تكلفة العملية والمتحصل عليه من مال الحركة الإسلامية السودانية، لم يكن متوفراً ومن الصعب التصديق عليه دون علم ومعرفة الشيخ.
وأشاروا أيضاً إلى إصابة الترابي في رأسه والتي وقعت في كندا عام 1992م، وجعلته بين الحياة والموت لفترة ليست بالقصيرة، الأمر الذي ربما أحدث تشويشاً في ذاكرته، وتحدثوا كذلك عن الأسباب التي جعلته يُفشي أسرار الحركة الإسلامية ويلقي فيها بالتهم على الآخرين.
غير أن الجزء الآخر من المتداخلين، الموالين للترابي، كانوا حاضرين في إضعاف إفادات المشككين في الرواية، وأشاروا إلى أن مؤسس الحركة الإسلامية ألف عدداً من الكتب أيام اعتقاله، وذلك بعد الإصابة التي ألمَّت به في كندا، وهذا دليل على سلامة ذاكرته وقواه العقلية.. ودللوا بأن التحريات والتحقيقات التي أجراها الإثيوبيون بمساعدة أجهزة مخابرات دولية وإقليمية كانت تفصيلية وذهبت إلى ما قاله شيخ حسن.
وأكدوا أن شيخ حسن الترابي لم يلقِ الاتهامات على أحد، إنما كان صادقاً، حيث سبق أن اعترف بأفعال الحكومة السيئة وحمَّل نفسه المسؤولية، وأنه يملك من الشجاعة ما يكفي ليعترف أن كان مشاركاً في تلك المحاولة أم لا.
المعروف عن دكتور حسن الترابي أنه في الفترة التي قام فيها بتسجيل تلك الحلقات عام 2010م، كان حانقاً على أبنائه الذين انفردوا بالسلطة وتركوه للمعتقلات ورمضاء المعارضة، فردَّ عليهم بإطلاق الرصاص من خزانة أسرار الماضي، حتى يُفسد عليهم لذة الحكم ويطفئ غليل نفسه.
استغل الترابي كثيراً من المنابر الإعلامية والسياسية للتشهير بالحاكمين وتشويه سمعتهم وسيرتهم، ولم يستثنِ في ذلك حتى رئيس الجمهورية عمر البشير.
عقب مفاصلة الإسلاميين، حينما زار وفد زعامي إفريقي دكتور الترابي في منزله بضاحية المنشية بالخرطوم، سُئِلَ أحد أعضاء الوفد عن انطباعه عن شخصية المَزُور.
الرجل لخَّص الترابي في وصف محكم، قائلاً: (هو رجل غاضب، غير معنيٍّ بالمستقبل)!
كنتُ قد كتبت قبل ثلاثة أعوام، بعد مشاهدتي لمقابلة أجرتها الإعلامية المصرية المتميزة منى الشاذلي، مع دكتور الترابي: (أشعر بكثير من الحزن والأسى، أن تُهدرَ طاقة وتجارب وأفكار وخبرات رجل مثل دكتور الترابي، في مغالطات التاريخ ومرارات الراهن، مع العجز التام عن صناعة الآمال).
في الفترة الأخيرة، وقبل وفاته بعامين، ربما بعامل العمر والشعور بدنوِّ الأجل، وما يُحيط بالراهن السوداني من أزمات، وما يتهدد المستقبل من مخاطر، كان يراها بالعين المجردة دون الحاجة لمكبرات بصرية؛ كان الرجل على استعداد لتقديم أفضل ما لديه من رؤى وأفكار، فكان إيجابياً تجاه الحاكمين، وداعياً لمحاورتهم ووحدتهم.
بث حلقات شاهد على العصر عقب رحيل الترابي، أعادت الرجل إلى مربعه القديم، غير الذي كان عليه عند الممات، وربما لو قدر الله له مشاهدة حلقات البرنامج قبل وفاته بأشهر أو أيام لكان أتعس الناس بها؛ فالترابي ما بعد 2013م يختلف عن الترابي في 2010م وهو يجلس لأحمد منصور وبه حمى الغضب والغيظ!
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال