كتاب وأراء

دروس ضائعة من حرب خاطئة

لم يضف تقرير السير جون تشيكوت عن دور بريطانيا في الحرب الأميركية على العراق جديدا من حيث الحجج التي أثيرت عقب الحرب مباشرة بأنها استندت إلى معلومات خاطئة ومن ثم لم تكن مبررة. وقتها لم تجد هذه الحجج أذانا مصغية بل تعرض أصحابها للإدانة ليس فقط من الإدارة الأميركية بقيادة جورج بوش الابن ومن ساندها في هذه الحرب، بل من قطاع عريض من السياسيين والمثقفين العرب الذين تبنوا التوجه الأميركي بتغيير خريطة الشرق الأوسط. ولكن التقرير أعاد التأكيد على هذه الحجج وبمزيد من التفاصيل ووجه بوضوح إدانة مدعومة بآلاف الوثائق للمسؤولين عن هذه الحرب.
ولكن إذا ما كان غير ممكن إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء في مثل هذه القرارات التي تغير مصير الشعوب والعالم، فإن جدواها يتمثل في الدروس المستفادة منها. إنها لن تغير من الماضي شيئا ولكنها تؤثر في الحاضر وتساهم في صياغة المستقبل. وهنا يمكن الانطلاق من تقرير تشيلكوت بحثا عن إجابة لسؤالين أساسيين هما هل أصبح العالم أفضل مما كان عليه في عهد نظام صدام حسين؟ وهل هناك ما يشير إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا الموجه إليهما التقرير بوجه خاص تعلما من درس حرب العراق أم لا؟
رد الفعل المباشر من جانب كل من بلير وبوش لم يبشر بخير! حيث أصر كل منهما على صحة موقفه، كلاهما تشارك مع الآخر في رؤية حاكمة لقراره خوض الحرب هي استباق ضرب نظام صدام حسين قبل أن يقوى ويشكل تهديدا للغرب والعالم من حوله يصعب تجنبه. فالقضية لم تكن وجود أسلحة دمار شامل من عدمه أو البحث عن أي مبرر، وإنما اقتناع الرجلين بأنه لو تم رفع العقوبات عن نظام صدام في ضوء عدم حسم لجان التفتيش الدولية مسألة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل فإن نظام صدام يستطيع امتلاك هذه الأسلحة بما لديه من خبراء في هذا المجال، ومن ثم يعود لتهديد العالم. وعليه يجب ضرب هذا النظام استباقيا وعدم انتظار التحقيقات الدولية. ووفقا لهذا التصور فإن كليهما يعتقدان أن العالم اليوم أفضل من عهد صدام. ولكن تقرير تشيلكوت وجه ضربة قاصمة لهذا التصور (الافتراضي) عندما أشار إلى أن الوسائل السلمية لم تستنفد تماما حتى يمكن تبرير اللجوء إلى الحرب في إشارة إلى أن إدارة بوش وبالتبعية حكومة بلير لم ينتظرا جهود الأمم المتحدة وتجاوزا قرار مجلس الأمن بهذا الخصوص والمعنى هنا أنه كانت هناك فرصة للعالم أن يكون أفضل بدون الحرب.
الإجابة عن السؤال الثاني مرتبطة بالإجابة السابقة تماما. فالمعروف أن كلا من إدارة أوباما التي تلت إدارة بوش وحكومة كاميرون التي تلت حكومة بلير قد أكدتا مرارا أنهما تستفيدان من أخطاء الحرب على العراق. ولكن هل حقا استفادتا أو تعلمتا من الأخطاء. الشواهد على ذلك ليست كافية. لقد قام أوباما بسحب القوات الأميركية سريعا من العراق وفاء بما وعد به في حملته الانتخابية ودليلا على الاقتناع بأن الحرب كانت خاطئة. ولكن الفراغ الأمني الذي ترتب على هذا الانسحاب خصوصا مع عدم اكتمال عملية إعادة بناء الجيش العراقي سمح بظهور «داعش» التنظيم الإرهابي الذي لم يهدد العراق وحده بل محيطه العربي وكذلك قلب أوروبا ووصل إلى الولايات المتحدة ذاتها. وعلى الضفة الأخرى تردده في مؤازرة الثورة السورية خوفا من تكرار ما حدث لبلاده في العراق أعطى وقتا كافيا لاستيلاء «داعش» على الرقة وإعلان قيام «دولة الخلافة». وأما عن بريطانيا فقد شاركت حكومة كاميرون في الحرب على ليبيا لإسقاط نظام القذافي دون أن ترتب جيدا لقيام النظام البديل فعمت الفوضى ودخل «داعش» البلاد. لقد ثبت أنها كانت حربا خاطئة، ولكن المحزن أيضا أن دروسها لا تزال ضائعة!.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد