كتاب وأراء

عزوف القطريين عن التدريس

تحقيق - آمنة العبيدلي
مهنة المعلم من أقدس المهن وأجلها، فهو الذي يخرج الأجيال التي ترتقي بالأوطان من خلال مهاراتهم العلمية، ومع ذلك نجد عندنا في قطر عزوفا عنها من قبل شبابنا، ومشكلة عزوف القطريين عن الانخراط في هذه المهنة ليست وليدة اليوم، ولكن حتى الآن لم تتخذ خطوات جادة لتحفيز الشباب كي يلتحقوا بها، مع أن الحلول واضحة وميسورة بحسب ما أكده أكاديميون ومتخصصون لـ الوطن، وهي ضرورة زيادة الحوافز المادية للمدرس القطري، وعدم إرهاقه بالأعمال الإدارية المتعلقة بالملفات والتي ليست من صميم عمله، وعدم تكليفه بحضور ورش بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتقليل عدد الحصص، وتخفيف المناهج التي تثقل كاهل المعلم والطالب معا. ومع تعيين وزيرة جديدة وتسمية الوزارة باسم التربية والتعليم والتعليم العالي ووجود مجلس شورى منتخب، رأينا ضرورة طرح القضية للمناقشة بناء على طلب مواطنين، حتى يكون في مقدمة الملفات على طاولة وزيرة التعليم.


تنسيق مستمر بين الوزارة وكلية التربية

قال الدكتور أحمد العمادي عميد كلية التربية إن موضوع عزوف الشباب القطريين عن مهنة التدريس لم يغب عن بالنا أو خططنا، فالمقررات في كلية التربية تؤهل الخريج تأهيلا كاملا على أسس علمية وتربوية للعمل في مهنة معلم، ونحن على مدى أربع سنوات عقدنا اجتماعات دورية مع الوزارة من أجل الارتقاء بالعملية التربوية وكان آخر اجتماع لنا يوم الخميس الماضي، وليس هذا فحسب بل نخطط في إعداد بحوث ودراسات كثيرة من ضمنها أسباب العزوف عن ممارسة مهنة التعليم وخاصة من قبل الشباب.
وأضاف: منذ أربع سنوات لدينا برامج الإعداد، ولدينا دبلوم لمدة سنة بعد البكالوريوس يقبل خريجي الكليات الأخرى، فمثلا لو خريج تخرج في قسم الجغرافيا أو قسم الكيمياء في كلية أخرى ويرغب في أن ينضم إلى سلك التدريس يأتي إلينا ويحصل على الدبلوم ليصبح مدرسا، وعما قريب سنقر برنامج الدكتوراه، فالخلاصة أن التنسيق مستمر بين كلية التربية والوزارة، ومركز البحوث لدينا يقوم بإجراء بحوث ميدانية للوقوف على أسباب الظاهرة، وأود الإشارة هنا إلى أن إقبال الطالبات على الالتحاق بكلية التربية يفوق إقبال الطلاب فبالنسبة للطالبات ليس لدينا مشكلة، وهناك أعداد لا بأس بها من خريجات كلية التربية.


زيادة الحوافز تشجع على الإقبال

قالت الدكتورة بثينة الأنصاري، خبيرة التخطيط الاستراتيجي والتنمية البشرية، إن مشكلة عزوف الشباب القطري عن ممارسة مهنة التعليم واضحة كوضوح الشمس، وإذا أردنا حلها يمكننا ذلك لأن الأعباء الإدارية وكثرة الطلبات التي يطلب من المعلمين إنجازها هي التي تعرقل أداءهم، نتيجة الضغط اليومي المتزايد عليهم ذهنياً وبدنياً، لذلك يفترض أن تكون مهمة المعلم داخل الفصل فقط، ولا تسند إليهم أعمال إدارية، لأنّ أغلب المعلمين يحملون ملفاتهم المدرسية لبيوتهم لإنجازها، مما يجلب لهم الإرهاق في البيت والمدرسة.
وأضافت: إننا نأمل جميعاً من الجهات التربوية أن يكون المعلم محور الاهتمام بتخفيف الأعباء عنه وزيادة الحوافز حتى نغري الشباب بالانخراط في هذه المهنة، فالاهتمام بالتحفيز المادي وزيادة الرواتب بحيث توازي الرواتب الموجودة في قطاع البترول والرياضة وغيرهما من القطاعات الأخرى يحل المشكلة، وهذا ليس جديدا، ففي الدول المتقدمة قد يصل راتب المعلم إلى أعلى الفئات لأنه مسؤول عن تخريج أجيال، وله احترامه الكبير، ولهذا قال أمير الشعراء أحمد شوقي: قم للمعلم وفِّه التبجيلا -- كاد المعلم أن يكون رسولا.



التشجيع يبدأ من المراحل الدراسية

قال الدكتور أحمد الساعي، أستاذ بجامعة قطر، إن مهنة المعلم من أقدس المهن، ولكن المشكلة التي تمنع الشباب القطري عن الالتحاق بها هو أن الوزارة تسند إلى المعلمين مهام أخرى كثيرة غير المهنة، وهي مهام إدارية وإشرافية على أنشطة ما، فيجد المعلم نفسه مشغولا طوال الأربع العشرين ساعة، في حين من المفترض أن دوره داخل الفصل وقت الحصة فقط وبقية الأنشطة والأعمال الأخرى لها موظفوها.
وعن رأيه في التغلب على هذه المشكلة، قال الدكتور الساعي: يجب أن يتم تشجيع الشباب القطري على الالتحاق بهذه المهنة وهم على مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية وبالذات طلاب كلية التربية، من خلال مقررات دراسية تلقي الضوء على مكانة المعلم في المجتمع، ثم تقديم المنح والمزايا للطلاب الدراسين في كلية التربية الذين يتعهدون بالعمل في مهنة التدريس. وأضاف: هناك أمر آخر لا بد من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أن المناهج بحسب ما سمعنا كثيرا بها حشو، وإذا كان هذا الأمر صحيحا فلا بد من تنقيتها، فالعبرة لم تعد بالكم ولكن بالكيف، وأن تكون المقررات الدراسية معقولة فهذا يساعد على التركيز ويسهل رسالة المعلم ويساعد الطلاب على التركيز. وبالإضافة إلى الأعباء الكبيرة التي توكل إلى المعلم من مهام إدارية وإشرافية وتنسيقية وغيرها من المهام والمسؤوليات والواجبات التي ترهق كاهل المعلم، فهناك هموم أخرى يعاني منها المعلم في بلادنا العربية، فالمهنة شاقة أولا، وعائدها المادي والمعنوي قليل وقليل جدا، فلم يساوَ المعلم في بلادنا العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص مع امتيازات المهن الأخرى من حيث الراتب والوجاهة والمكانة الاجتماعية. وللارتقاء بمكانة المعلم الاجتماعية، على وزارة التربية والتعليم أن تنظر في هموم المعلم، وتحسن من وضعه المادي والاجتماعي، ليكون مضرب المثل أمام الناشئة من الشباب من حيث المقام والمكانة الاجتماعية، ويحظى بامتيازات خدمية شأنه في ذلك شأن الكثير من المهن التي ترافقها هذه الامتيازات والأمور التشجيعية، والتي بدورها تغير النظرة المجتمعية إلى المعلم .



لا بد من تخفيف الأعباء الإدارية

قال الدكتور فهد الجابر، الرئيس التنفيذي للمركز الاستراتيجي للاستشارات والبحوث: من المهم جدا أن يكون المعلمون من القطريين، ولكن مشكلة عزوف الشباب القطري خريجي الجامعات عن العمل في مهنة التدريس ليست حديثة، ومع ذلك لم نسمع عن خطوات جادة لحلها، وأعتبر أن أولى هذه الخطوات تغيير الصورة الذهنية عن المعلم، بحيث نحقق له البروز الاجتماعي أو نجعل له مكانة اجتماعية مميزة من خلال تخصيص مكافآت تشجيعية تميزه عن أقرانه في الوزارات الأخرى، وتساعده الدولة وأولياء الأمور على فرض احترامه من قبل التلاميذ، وأن لا تشغله الوزارة بأية أنشطة أو مهام أخرى غير التدريس، لأن الأعباء الإدارية وإعداد الملفات المدرسية من أنشطة وفعاليات وغيرها ومناوبات هي التي تثقل كاهل المعلمين وتعوقهم عن إكمال واجباتهم بسبب التعب والجهد الكبير المبذول في اليوم المدرسي، على سبيل المثل عدد الحصص كبير وعدد الطلاب كبير، وبعد انتهاء اليوم الدراسي يتم تكليف المعلم بحضور الورش، فيرجع إلى البيت منهكا، ومع ذلك مطلوب منه أن يحضر دروس اليوم التالي، فهذا كله فوق طاقة المعلم، وإذا بقي الوضع كما هو فلن يتم حل المشكلة.


هناك عوامل اجتماعية واقتصادية

قال الدكتور علي عبدالهادي الشاوي، أستاذ علم الاجتماع السياسي رئيس مجلس هيئة التدريس بجامعة قطر: ظاهرة العزوف وعدم الالتحاق بمهنة التعليم من الظواهر الحديثة التي توجد في العديد من المجتمعات المعاصرة حتى في الغرب وأميركا الشمالية وتتوافق الدراسات على العوامل التي أدت إلى ذلك وتوجد عوامل اقتصادية واجتماعية، حيث أكدت معظم الدراسات على انخفاض العائد المالي لمهنة التدريس مقارنة بالوظائف الأخرى لكن هذا العامل الاقتصادي لا ينطبق على المجتمع القطري لأنني أرى أن سلم الرواتب للمعلمين في دولة قطر هو الأعلى في الدول العربية، ورغم ذلك تجد أن هناك عدم إقبال على العمل في مهنة التدريس، إضافة إلى ضعف الحوافز في قطاع مهنة التعليم حتى ان المعلمين يقضون عدة سنوات دون أن يجدوا تغييرا في مسماهم أو مكانتهم الوظيفية.



الحل في تقليل عدد الحصص

قال الدكتور بلال السالم، محاضر في جامعة قطر وجامعة نورثامبريا: يرجع السبب في عزوف الشباب القطريين عن مهنة التدريس إلى عدة أسباب، أولها كثرة عبء التدريس من حصص دراسية، الأمر الذي يثقل كاهل المعلم في التحضير؛ حيث يحمل المدرس القطري والمدرسة القطرية في قلوبهم الحرص على تقديم تعليم ذي جودة لطلابهم، وهذا لا يتأتى بوجود عدد كبير من الحصص الدراسية والمقررات ضمن مهامهم التدريسية، وكذلك عدد الطلاب الكبير داخل الفصل، والإسهاب والتطويل في محتوى المقررات الدراسية والمقرر تقديمها في فترة وجيزة؛ فيصعب على الطالب أو الطالبة استيعابها، ولوجود الهم في قلب المعلم القطري والمعلمة القطرية لإتقان عملهم والجودة وحسهم بالمسؤولية والأمانة فإنهم يعزفون عن مهنة التدريس لعدم توفر آليات تقديم المقررات كما ينبغي.

آمنة العبيدلي