+ A
A -
حمد حسن التميمي
في بعض التجارب المخبرية التي أجريت على الضفادع (تجارب لاإنسانية)، عندما يوضع ضفدع في وعاء ماء يتم تسخينه تدريجيّاً، فإن الضفدع يعمد إلى ضبط حرارة جسمه في محاولة للتأقلم مع الارتفاع التدريجي في درجة حرارة الماء. لكن حين يقترب الماء من درجة الغليان، يخفق الضفدع في التكيف مع الوضع الجديد، فيقرر أن يقفز خارج الإناء في تلك اللحظة. يحاول القفز جاهداً بلا طائل بعد أن فقد كل قوته أثناء عملية التكيف مع درجة حرارة الماء العالية فينتهي به المطاف ميتاً. ترى ما الذي قتل الضفدع؟
إن الكثير من الناس سيجيبون السؤال بأن الماء المغلي هو السبب، لكن في الواقع إن ما قتل الضفدع هو عجزه عن اتخاذ قرار بالقفز خارجاً في الوقت المناسب.
جميعنا نحتاج إلى التكيف مع الظروف الخارجية والآخرين من حولنا، بيد أننا بحاجة أكثر إلى إدراك متى يتعين علينا التأقلم وإلى أي حدّ ينبغي أن يكون، ومتى يفترض أن نتخذ القرار المناسب أو نواجه الوضع القائم ونأخذ إجراء منطقيّاً عمليّاً إزاءه.
غالبية البشر يعيشون معظم حياتهم في حالة إنكار للواقع ورفض للمحيطين بهم، بل إن نسبة كبيرة منا يتنكرون لكل شيء ابتداء من أفراد عائلتهم ووصولاً إلى وطنهم الذي ينأون عنه ويمقتون فكرة أنهم ولدوا بين ربوعه، وهم بذلك ينكرون الجذور والأصل!
ونتيجة لهذا الرفض نعاني من ازدواجية المعايير وانفصال الكثيرين عن الواقع، كأنما يعيشون في عالمهم الخاص بعيداً عن العالم الحقيقي. يغرقون في أحلام اليقظة ويغوصون في أفكارهم الحالمة بعيداً عن الملموس والموجود في حياتهم فعلاً.
ينتج عن حالة الانفصال هذه إحساس الإنسان بالغربة وهو داخل منزله بين أهله، وعلى أرض الوطن الذي نشأ فيه بين أقرانه ممن يشاركونه الأرض والتاريخ. وقد يتسع نطاق هذه الحالة ليشعر الإنسان بغربة مطلقة في أي مكان كان ومع أي أحد؛ فلا يطيق إنساناً ولا مكاناً إلا ويشتمه ويركز على الجوانب السلبية فيه دون أن يبصر الجوانب الإيجابية.
من أمثال أولئك من تراهم ينتقدون الناس دوماً، ويلومون بلدانهم وظروف حياتهم على كل إخفاق وتقصير يحدث في حياتهم. لا أحد يعجبهم على وجه الأرض بأكملها، ولا يفرحون بأي قرار أو تشريع أو أنباء سارة؛ لأنهم ببساطة يرفضون كل ما يجري حولهم، حيث لا يرقى شيء في الوجود إلى مستوى تطلعاتهم.
كما أننا عندما لا نتكيف مع الوسط المحيط، نسمح للآخرين باستغلالنا، نتيجة كوننا ضعفاء هشّين من الداخل برفضنا للواقع. وإذا سمحنا للظروف أو الناس باستغلالنا عاطفيّاً، أو عقليّاً، أو جسديّاً، أو حتى ماليّاً فإن تلك المأساة ستستمر إلى أن تقضي علينا كليّاً.
لهذا يجب على كل إنسان أن يقرر متى عليه أن يقفز قبل أن تخور قواه وتتمكن الهواجس والأفكار السلبية من النيل منه، وقبل أن يصبح سبيلاً لكل مخادع ومستغل، وورقة في مهب الرياح تأخذه الحياة أينما شاءت دون أي مقاومة وكفاح.
الحياة بحلوها ومرها كانت ولا تزال كما هي، ولن تستطيع تغييرها ما حييت. إنها كذلك منذ الأزل وستبقى على نفس الحال حتى آخر الدهر. ابدأ في تقبل الواقع والناس من حولك، وابحث عن السمات الإيجابية في كل ظرف أو شخص. نقب عن الحسنات وتجاهل السيئات قدر استطاعتك. استخرج النور من قاع الظلمة، ولا تبحث عن العتمة في قلب الضياء. اصنع واقعك بالتفاؤل والأمل والعمل الدؤوب، ولا تسمح لإنسان أو مشكلة أو تحدّ أن يقف حائلاً بينك وبين تحقيق ما تصبو إليه. اقفز قبل فوات الأوان، وابدأ رحلة النجاح.
copy short url   نسخ
27/10/2021
699