كتاب وأراء

«تشيلكوت»..جريمة بلا عقاب

لم يكن أحد في العالم العربي ينتظر نتائج التحقيق بقرار بريطانيا المشاركة في الحرب على العراق ليصدر حكمه على رئيس الوزراء السابق توني بلير.ففي نظر الأغلبية الساحقة كان غزو العراق عملا مدانا بكل المقاييس،خلف أفظع مأساة إنسانية ماتزال تداعياتها الكارثية ماثلة حتى يومنا هذا.
لم يتجاهل التقرير هذه الحقيقة،وأشار إليها في أكثر من فقرة،لكن«تشيلكوت»،لم يسع لتوصيف الغزو،،وقد لايكون التحقيق في الأصل معنيا بالإجابة على أسئلة العرب حول شرعية غزو العراق من عدمها.التقرير كان استجابة لأسئلة تخص بريطانيا بالدرجة الأولى،وفي مقدمتها سؤال جوهري:هل كذب بلير على البريطانيين عندما زعم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل؟
لم يجب التقرير صراحة على هذا السؤال.لقد اوحى في أكثر من فقرة بشيء من هذا القبيل،لكنه حمل أجهزة الاستخبارات وليس بلير المسؤولية عن الإدعاءات المفبركة.
لكن بالمجمل،التقرير اعتبر قرار المشاركة في الحرب غير صائب،ومتعجل،ومجاراة كارثية من جانب بلير لحليفه بوش،دون استعداد لمرحلة مابعد الغزو،أو إدراك لنتائجه المروعة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.ولعل أخطر النتائج،تحويل العراق إلى ميدان للجماعات الإرهابية،وحديقة خلفية لإيران والمليشيات الطائفية،ووضع البلاد على حافة التقسيم والتفكك.
باختصار التقرير دان الغزو،ولم يدن بلير.
وعليه،ليس متوقعا أن تنجح عائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق بجر بلير للمحكمة.كما لن يكن بالمستطاع اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية،لأن الدول الموقعة على اتفاقية المحكمة،لم تتفق بعد على تعريف موحد لجريمة العدوان.
لكن ثمة ماهو أسوأ من ذلك؛فقد جاء التقرير في توقيت سيء بالنسبة لبريطانيا المجروحة بكبريائها بعد تصويت الأغلبية على الخروج من الاتحاد الأوروبي.لم يشفع ندم الساسة البريطانيين عند الأوروبيين. كبار أوروبا الغاضبون من نتيجة الاستفتاء،يودون معاقبتها بتسريع خطوات خروجها من مؤسسات الاتحاد،واقتسام الغنائم الاقتصادية لهذه الخطوة،بعدما اختارت بنفسها العزلة عن باقي أوروبا،حتى لايفكر أحد من الأعضاء من بعدها في الإقدام على خطوة مماثلة.
لم تكتف بريطانيا بهذه الحماقة؛فقد جرمت مشاركتها في حرب العراق،وبرأت بلير على حساب سمعتها.
بريطانيا اليوم في لحظة تاريخية فارقة؛منبوذة أوروبيا، ومدانة عالميا على دورها في غزو العراق، أو مايصح تسميتها بمأساة القرن.
كان ينظر لبريطانيا على انها دولة المؤسسات الأولى في العالم؛«الإمبراطورية» التي بنت دولا حول العالم،وصممت نموذجا فريدا في إدارة المؤسسات، مايزال ساريا في عديد الدولة. في تقرير«تشيلكوت» ظهرت مؤسساتها ألعوبة في يد أجهزة الاستخبارات،والجواسيس.ورئيس وزرائها مجرد دمية في يد الرئيس الأميركي.وأكثر من ذلك حكومة مارقة، ترفض الإحتكام لمجلس الأمن وقراراته.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان