كتاب وأراء

الأمن السيبراني.. وظيفة المستقبل

خالد محمود
باحث دكتوراه في العلوم السياسية
نال تخصص الأمن السيبراني خلال العشرية الماضية لقب أحد أهم وظائف «المستقبل» الأكثر طلبا وربحا على مستوى العالم، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا التخصص لم يعد ترفا تقنيا بقدر ما أصبح حاجة ملحة، بسبب ما فرضته تعقيدات الحياة الحديثة من جهة، وعلى مستوى سوق العمل الاحترافي من جهة أخرى.
وكنا شاهدين على زيادة الاهتمام العالمي بالأمن السيبراني والوظائف المرتبطة به مع ازدياد حجم المعاملات والتجارة الإلكترونية والبنكية؛ حيث قَدّرت الإحصاءات نمو وظائف محللي الأمن السيبراني بمعدل 37 % منذ عام 2012 وحتى 2022 وهو معدل أعلى بكثير من الطبيعي.
كثيرةٌ هي المعطيات التي تعزّز هذا القول، سيما في السنوات القليلة الماضية بزيادة الطلب على المتخصصين والموظفين ذوي المهارات المتطورة في هذا المجال الذي راح ينمو بوتيرة أسرع من العرض.. وأبرزت تقارير عدة أجريت في عام 2020 أن عدد الوظائف الشاغرة في مجال الأمن السيبراني يمكن أن يرتفع من مليون في عام 2014 إلى ما يربو على ثلاثة ملايين ونصف المليون وظيفة في عام 2021.
أحد أهم العوامل التي أظهرت أهمية هذا التخصص هو بلا شك تزايد الهجمات السيبرانية التي تعتبر من أسرع الجرائم انتشارا على مستوى العالم، ففي هذا العام حدثت هجمات إلكترونية (كل 11 ثانية) أي ضعف ما كان عليه الوضع في عام 2019 (كل 19 ثانية)، وأربعة أضعاف المعدل قبل خمس سنوات (كل 40 ثانية) في عام 2016. وكلفت الزيادة السريعة في هذه الهجمات الشركات والهيئات الحكومية والمستهلكين بشكل عام أكثر من تريليون دولار في عام 2020 وهذا يمثل حوالي واحد بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والمفارقة أنه في الوقت الذي تم فيه خسارة 945 مليار دولار جراء هجمات إلكترونية، جرى إنفاق 145 مليار دولار على الأمن السيبراني. هذه التكاليف ارتفعت أكثر من 50 في المائة مقارنة بعام 2018، عندما تم إنفاق أكثر من 600 مليار دولار للتعامل مع الجرائم الإلكترونية.
اليوم يبلغ حجم سوق الأمن السيبراني، وفقا لموقع الإحصائيات الألماني «ستاتيستا» نحو 218 مليار دولار خلال العام الحالي 2021، وهناك توقعات لنمو كبير في هذا القطاع بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي تراكمي يبلغ 11.6 في المائة، وفقا لـ«نكست موف» للاستشارات الاستراتيجية.
لذا؛ فكثير من المحللين والمستثمرين حول العالم يراهنون على استمرار جاذبية مجال أمن المعلومات، وبالذات الأمن السيبراني لأعوام طويلة مقبلة، لكنهم لا ينكرون وجود نقص حاد في الأيدي العاملة التي تمتلك مهارات التعامل مع أنظمة الحماية الإلكترونية، فوفقا للتوقعات فإنّ الفجوة بين الوظائف الشاغرة والعمال المؤهلين ستزداد إلى نحو مليوني وظيفة شاغرة بحلول عام 2022.
نتيجةً لذلك، ستتجه المؤسسات والمنظمات الرائدة إلى الاستثمار في موظفيها الحاليين وتدريبهم على أنظمة الحماية، حتى يمكنهم التعامل مع أنظمة الحماية والمشاكل الأمنية تعاملا صحيحا، وهنا تكمن أهمية تخصص الأمن السيبراني كواحد من أكثر التخصصات طلبا حول العالم وإلى حد ما يتربع على هرم أكثر الوظائف طلبا في الدول المتقدمة وأعلاها من حيث الدخل المادي، لكن قد تكون الصورة معكوسة إلى حد ما في دول العالم الثالث سيما عالمنا العربي التي ما زالت تعاني فقدا في هذا الاتجاه، على الرغم من استثمار عدة دول عربية في الأنظمة والتشريعات والتقنيات والجاهزية لمجابهة الهجمات الإلكترونية، لما تشكله من خطر عليها، ورأينا كيف وضعت دول مثل قطر والسعودية والأردن والإمارت وغيرها الأمن السيبراني ضمن أولوياتها لتأمين الخدمات والتطبيقات بمختلف القطاعات؛ وازدادت قدرتها مؤخرا في هذا المجال بشكل مطّرد، وأدخلت تخصص الأمن السيبراني في بعض جامعاتها والذي من المتوقع في المستقبل القريب أن يصبح هذا التخصص من أكثر التخصصات طلبا في سوق العمل، وخاصة مع الانتشار الواسع لمفهوم السيبرانية حول العالم.
يدرك العالم أن الاختراقات الإلكترونية والهجمات السيبرانية بمختلف أشكالها ستكون في المستقبل أكبر وأسوأ ولها تأثير مدمّر على البُنى التحتية الحرجة، خاصةً مع التزايد السريع للأجهزة المتصلة بالشبكة العنكبوتية، وانتشار المدن الذكية، ونمو استخدام إنترنت الأشياء والتكنولوجيا والمعاملات الإلكترونية والتطبيقات المتعلقة بها.
وتأسيسا على ذلك، بات من الأهمية بمكان تبنّي الدول والحكومات لاستراتيجيات تعزز بها أمنها السيبراني وإنشاء وحدات أو هيئات مختصة بحماية البنى التحتية من المخاطر الإلكترونية، وعلى رأس ذلك الاستثمار في البحث العلمي من خلال تخصص الأمن السيبراني على مستوى الدراسات العليا وبما يدعم البحوث وزيادة الوعي بهذا المجال وبما يعزز مستوى الأمن ومواكبة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة التي من شأنها أن تجعل الأنظمة الإلكترونية أكثر أمنا وتماسكا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات التي تهدد الأمن السيبراني للتصدي للجرائم العابرة للحدود والهجمات الإلكترونية التي تستهدف عشرات الدول في العالم كل دقيقة، سيما أن معظم الدول تقوم بالتحول تدريجا إلى «الحكومات الإلكترونية» والانتقال إلى «أتمتة» الخدمات والمعاملات، وبالتالي أصبح الأمن السيبراني كتخصص ضرورة حتمية في هذا المشهد ولا غرابة أن يُنظر إليه على أنه منجم وظائف ومهارات المستقبل بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

خالد وليد محمود