كتاب وأراء

فيتامين «ب»

حمد حسن التميمي
في المسلسلات والأفلام السينمائية التي تعرض على شاشة التلفاز، نرى في بعض الأحيان مشاهد تعرض لنا الممثلين وهم يتعاطون المخدرات. غير أنهم في حقيقة الأمر يستنشقون شيئاً آخر تماماً؛ ألا وهو بودرة فيتامين ب المخصصة للتمثيل.
حتى أن قصة ذاك المسلسل أو سيناريو وشخصيات ومواقف الفيلم الفلاني، لا تعدو كونها تمثيلاً لا يمت للواقع أو الحقيقة بصلة أغلب الأحيان. أي أن ما نشاهده عبارة عن تمثيل بكل ما يتضمنه من حوارات ومواد تستخدم لجعل المشاهد تبدو أقرب إلى الحقيقة.
ولا تختلف الحياة الواقعية عما تلتقطه أعيننا على شاشات التلفزة وغيرها، فكثير مما نراه أمامنا ليس أكثر من مجرد وهم أو أخيلة تتراءى لنا، أو هو ببساطة يشكل منظورنا الشخصي للأمور والذي نعتقد بأنه يمثل الحقيقة، في حين أنه يعبر عن نظرتنا الذاتية إلى الأشياء لا أكثر. لذلك كله، لا تصدق كل ما تشاهده؛ ففي كثير من الأحيان تخدعك الصورة والمظهر الخارجي الذي لا يعطي انطباعاً حقيقيّاً عما يجري على أرض الواقع.
لهذا السبب بالذات، قال العديد من الفلاسفة والعلماء بوجوب عدم تصديق كل شيء تلتقطه حواسنا من البيئة المحيطة، لأن الحواس تخدعنا كثيراً. فالقمر الذي يبدو كأنه فوق رأسك مباشرة، هو في واقع الأمر يبعد عن المكان الذي ترقبه منه آلاف الكيلومترات. والشمس التي تبدو كأنها تعانق صفحة السماء القريبة، وكأن الوصول إليها لا يتطلب سوى منطاد صغير يحلق لدقائق معدودات، هي في الحقيقة تبعد عنا ملايين الكيلومترات. أما الأرض نفسها التي نعيش عليها ونشعر كل يوم أنها مسطحة وممتدة أمامنا، فهي كروية الشكل وتدور حول محورها مرة واحدة كل 24 ساعة دون أن نشعر بحركتها.
وعلى هذا المنوال، فكثير من الأحداث وما يجري حولنا لا نراه على حقيقته، إلا إذا أعملنا عقلنا ووجداننا الداخلي. لذلك قيل إن البصيرة أهم من البصر، وأن السبيل إلى التنوير هو القلب النقي والعقل النير.
لهذا كله، وحتى لا نقع في دائرة تصديق كل ما نراه كما يفعل الكثيرون، علينا أن نتسلح بالعلم والمعرفة، ونوسع مداركنا، ونُعمل عقولنا قبل حواسنا لاستنباط الحقائق، وسبر أغوار المجهول، وكشف الستار عن الخفايا.
في الوقت الذي تصور لك بعض وسائل الإعلام أن رائد الأعمال الفلاني هو أكبر مساهم في الجمعيات الخيرية، أو أن الشخص العلاني لا غاية له في الحياة سوى تحقيق العدالة والدفاع عن المظلومين، قد يكون الواقع مخالفاً تماماً لما يُعرض أمامك.
لهذا قيل إن الصورة تعادل ألف كلمة، لأن بمقدورها التأثير في نسبة كبيرة من الناس حتى لو كانت مغلوطة وتشوه الحقائق وتزيفها. وعليه، يجب على كل عاقل ألا يقبل أمراً دون إخضاعه للبحث والتمحيص والتحليل المنطقي. فلا تصدق شيئاً لمجرد أنك تراه أو تسمع أخباراً عنه أو تقرأ حوله.
ثق دوماً بحدسك الإنساني وملكات عقلك، وتقصّ الحقيقة دوماً، والتي قد تكون مستترة خلف الأقنعة. لا تجعل نفسك عرضة للخداع، ولا تسمح لأحد بأن يتلاعب بك، بل كن سيد نفسك. كما أن عليك أن تدرك جيداً بأن الحواس رغم أهميتها البالغة في الحياة، إلا أنها قد تخدعك في مواقف عديدة، لذلك توخّ الحذر وقسِ الأمور بميزان العقل.
وإذا طبقت ذلك على جميع شؤون حياتك، فستبصر وقتها حقائق الأشياء بنسبة أكبر، وتحيا حرّاً بانعتاق شبه تام عما يجعل معظم الناس أسرى طيلة حياتهم، وتغدو فرداً منتجاً ومساهماً في تقدم المجتمع وتطوره، وعوناً لإخوتك في الإنسانية على رؤية الحق كما هو، لا كما يتم تصويره بقصد التضليل، والخداع، واللعب على العقول والمشاعر لأهداف تجارية أو غيرها.

حمد حسن التميمي