كتاب وأراء

حول كتاب حوارات المعرفة

صدر مؤخراً كتاب جديد ضمن السلسلة الفكرية التي نسعى أن نساهم فيها بما يمكن أن يُعرّف بالعطاء النوعي القليل في لغته واستراتيجيته في مساحات التأليف العربي، ولو كانت إصدارات مهنا الحبيل، في هامش هذا الطريق، طريقٌ يمثل المدخل القديم الجديد لما نعتقد أنه الترصيف الأساسي لمفهوم النهضة في أرضنا العربية، والإصدار نُشر عبر المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، منذ أيام قليلة.
ولكن ماذا أريد من كتاب جديد في الفكر الإسلامي والجدل العربي المتعدد وعلاقته بالأسئلة المعاصرة عن الإنسان والعالم اليوم؟
هذا السؤال يُحدد خريطة الطريق لدي في رحلة هذا الكتاب، وهو سؤال ينبع افتراضيًّا من حاجة القارئ لا نمط المؤلف، فقد لا أُوَفَّق في الوصول إلى تحرير دقيق لاحتياج القارئ اليوم، لكنه يدور حول هدفه أو هدف هذا السؤال الذي جعلته قائدًا لي في تحديد خريطة الطريق للوعي العربي المعاصر.
كيف نواصل البحث للوصول إلى مؤسسات النهضة؟
وهو وعي عربي يقوم على قاعدة الفكر الإسلامي التجديدي الذي أواصل فيه المهمة، بحسب اجتهادي، فمن هو هذا العربي المقصود، هنا عزل الفكرة الإسلامية الأخلاقية أو الحضارية أو الفلسفية أو واقعيتها في عالم السياسة عن الإنسان العربي كيفما كان توجُّهه، وأينما كان مستقره في داخل الوطن العربي، أو في المهجر الذي يتوسع بلا حدود، هو ضرب من العبث والفصل غير الإيجابي، مهما كان توجه هذا الإنسان العربي دينيًّا أم علمانيًّا أم وجوديًّا، أم من أسرة الأقليات المتعددة، فهنا الرابط وجودي مكاني بالضرورة.
ولذلك يُرابط قلمي في حديثه لهذا الإنسان العربي بكل توجهاته، ولا يُسقط بالطبع العضو الشقيق من غير العرب في حاضر العالم الإسلامي، الذي تنسحب عليه همومنا في جدل الموقف في دور الدين في هذه الحياة، وقبل ذلك تحديد أي دين نقصد؟
هل هي الأديان المفصلة للأنظمة أو الجماعات أو المواسم، أم الإسلام الواحد الذي تتعدد خريطة تشكُّله اجتماعيًا وفكريًّا وسياسيًّا في الحياة المعاصرة، بسبب سر فلسفته ومقاصده الروحية والأخلاقية، لكنه يملك جوهرًا أخلاقيًّا وقيميًّا واحدًا ومسارًا عمرانيًّا في التشريع، حين يحسن تحريره، فهو يصل العالم -وليس الشرق وحسب- بمعادلة التكامل الإنساني.
زعم أمامه مساحات كبرى للتحرير وقبل ذلك الجدل والنقد والتنوير، لكن المواصلة فيه شرط لإبحار الجودي الكبير في بحور ومحيطات العالم الواسعة.
وهو كتاب يخط مساحات مستقلة للوصول إلى طرق النهضة، له روح مركزية أشرنا إليها، ولكن في خطة أحاديثه، قد تجده جُزُرًا معزولة للقارئ لكنه عزل يرتب جدول القراءة ولا يفصلها عن موضوع الكتاب، فتُنبئ له عن خلاصاته وربما تصحح، فكان الانعزال هنا عزلًا تنظيميًّا.. مساعدًا على تنوع المادة.. منشطًا للقارئ الكريم، لكي يتتبع قضايا الجدل؛ فالاستقلال هنا لا يُلغي مساحة الوحدة الموضوعية، والتناوب في الفصول لا يُثقل -كما يرجو المؤلف- كاهل القارئ بعبء المادة الدسمة المتتابعة، دون أن يلغي ذلك بلا شك أهمية المواد كاملة الدسم.
وهنا نأمل مجددًا أن تكون هذه المساحة المستقلة لبنة جديدة في صناعة الوعي المعرفي لدى شباب اليوم، ومواصلة مناقشة الإرث القديم والأخير المعاصر، وعلاقته بصناعة فقه دستوري للشعوب، وبنية تَوافق تساعد على فهم الاختلاف بينهم، يسعى استقلالها للخروج من آثار التخلف في المرجعيات الحزبية والتراثية للجماعات الدينية المتعددة، ومن مسلَّمات القواعد اللائكية العلمانية المتطرفة، ومواصلة مد جسوره الإنسانية دون الخضوع لعلميات التعميد الغربية، في الفلسفة والفكر والقيم، ودون رفض لما تنجزه كل حضارات العالم، فتبني عليه وتصحح وتضيف حضارة القيم للمعرفة الإسلامية.
خطوط عامة يضعها المؤلف بكل حب وتقدير واعتذار للقارئ الكريم، قد يراها غير متفقة مع انطباعاته، لكنها تساعده في فهم فصول هذا الكتاب وأوراق بحوثه، فيَعذر المؤلف وإن تبدَّت له جوانب قصوره.
ودوماً أقول للشباب العربي إن مهمتنا ترصيف الطريق لكم، خاصة أننا نعاني مواجهات متوحشة لكسر إرادة التجديد الإصلاحي، فلعلنا كما تحمل الأقدمون رياح التصحر بل والتحريض لا نزال نواجه حملات من المستبد السياسي العربي أو الكاره المختلف دينياً أو علمانياً، فنأمل أن تكون تضحياتنا مقدمة عهدكم الجديد لوطن عربي ينهض بقوة الفكرة، لا بصراخ العاطفة.

مهنا الحبيل