كتاب وأراء

واقع الحُريَّة الإعلاميَّة والصحفيَّة في منابِر الإعلام الجديد

خولة مرتضوي
يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire متحدّثًا عن معنى حريّة التفكير: «ليس هناك حريّة لدى النّاس من دون حريّة التعبير عن تفكيرهم»، إنّ هذا النصّ الذي أرسله فولتير في أعماله الفلسفيّة التي شهدها عصر التنوير، منتصف القرن الثامن عشر، أرسي، بعد حينٍ من الزمان، على إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي جاء في مادته الحادية عشرة: «إنّ الاتصال الحرّ للأفكار والآراء هو من أثمن حقوق الإنسان، فكل مواطنٍ إذن بإمكانه أن يتكلّم ويكتب ويطبع ضمن المسؤوليّة عن هذه الحريّة في الحالات المحدّدة بالقانون». وقد أثّر نصّ فولتير كذلك على بقيّة المواثيق والقوانين التي صدرت عن البشريّة، فيما يخصّ حق الإنسان في التعبير والإفصاح والنشر، حيث تجسّدت هذه المقولة بعد أكثر من قرنٍ من الزمان، وتحديدًا في المادتين 18، 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اللتين تنصّان على أنّه: «أولًا (المادة رقم 18): لكلّ شخصٍ حقٌّ في حرّية الفكر والوجدان والدّين، ويشمل هذا الحقّ حرّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. ثانيًا: (المادة رقم 19): لكلّ شخصٍ حقّ التمتّع بحرّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقّ حرّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود».
إنّ حقيقة الحريّة تتمثّل في أنّها كلٌّ لا يمكنه أن يتجزّأ، وعليه، فإنّ حريّة الرأي والتعبير وحريّة الإعلام والصحافة جزءٌ أساسيٌ من حريّة الإنسان. وتعرّف الحريّة الإعلاميّة والصحفيّة على أنّها: «حقّ الصحفي في الحصول على المعلومات ونشرها بتفويضٍ من المجتمع». وتعرّف كذلك بأنّها: «حقّ الأفراد والجماعات في إصدار الصحف والعمل بها والتعبير عن آرائهم ومعرفة ونقل الأخبار والمعلومات بموضوعيّة وتنوير المواطنين وتثقيفهم بواسطتها، وذلك ضمن تعدديّة صحفيّة تمثّل الاتجاهات السائدة في المجتمع». وفي تعريفٍ مهنيٍّ يركّز على حريّة تدفّق المعلومات واستخدامها بموضوعيّة، يرى بعض الباحثين أن حريّة الإعلام والصحافة هي: «أن تقول الحقيقة كما تراها، وأن تقدّم وصفًا أو تفسيرًا دقيقًا للعمليّات والأحداث في المجتمع بقدر الإمكان». كما عرّفها بعض القانونيين بأنّها: «حريّة تلقّي الأخبار والمعلومات ونشرها عن طريق الصحافة والإذاعة والتلفاز والسينما». ويتبيّن من التعريفات السابقة أنّ مفهوم الحريّة الإعلاميّة والصحفيّة يقصد به الحقوق الممنوحة لكافّة وسائل الإعلام التقليديّة منها والجديدة وذلك بهدف ممارسة نشاطها من نقلٍ للأخبار والآراء والأفكار والقناعات والاتجاهات والمشاعر إلى الجماهير بما يضمن تحقيق أهدافها المنوطة.
إنّ الحريّة الممنوحة للإعلام والصحافة، قبل زمن الإعلام الجديد، كانت تمارس بشكلٍ يتراوح بين النسبيّة والإطلاق، وذلك بحسب طبيعة المناخ السياسي أو الاجتماعي أو الديني الذي يسيطر على كلّ وسيلة من الوسائل التقليديّة الكلاسيكيّة. ففي كثيرٍ من الأحيان كانت تهدر حريّة الأفراد للتعرّض للأخبار والمعلومات والبيانات وذلك على حساب مصلحة القوى السياسيّة الحاكمة، ورغم أنّ الإسلام، - الذي كفل حريّة الرأي والفكر شريطة عدم المساس بالثوابت والأركان - وهو الشريعة التي عمل بمقتضاها، نظريًا، غالبيّة الحكّام العرب المسلمين، إلا أنّهم قاموا بقمع وإخضاع الفكر والرأي والإعلام معًا لمصالحها الشخصيّة، وهو ما حصل تمامًا في غالبيّة الأنظمة الدكتاتوريّة حول العالم.
أما في عصر الإعلام الجديد، فقد أصبحت هذه حريّة الإعلام والصحافة مطلقة بشكلٍ كبير، حيث إنّه مهما صدّرت الأنظمة الحكوميّة والمواقع والحسابات والمنصّات والتطبيقات الرسميّة لبعض الأخبار والأفكار التي تندرج تحت باب: الدعاية السياسيّة أو العلاقات العامّة (الإعلام السياسي)، فإنّه، في المقابل، تجد آلافًا من المواقع والحسابات والمنصّات والتطبيقات التي تقدّم هذا الخبر أو الفكرة بكل تجرّد وتعرّيه من كافّة أشكال التزيين والبهرجة والتضليل، وذلك تنويرًا للرأي العام ودفاعًا عن القضايا العادلًة ومواجهةً للاستبداد والظلم والدكتاتوريّة.
لقد أفاد الإعلام الجديد في رفع كافّة القيود الرسميّة والوهميّة على الوظيفة الإعلاميّة، إلا أنّه في المقابل فتح الباب على سيل من الممارسات السلبيّة التي استخدمت فيها الحريّة بشكلٍ يتعدّى على حريّات الغير، ففضاء الإعلام الجديد بكل ما يزخر فيه من: المواقع والبوابات الإلكترونيّة، مواقع وسائل الإعلام المختلفة، محرّكات البحث، المدونات الشخصيّة، المنتديات الحواريّة والنقاشيّة، منصّات وشبكات التواصل الاجتماعي، تطبيقات إرسال الفيديو والصور، تطبيقات إرسال وتحميل الفيديو والصور، القواميس والمعاجم الإلكترونيّة، قواعد البيانات الإلكترونيّة؛ تضم آلافًا من الأخبار والقصص والتحليلات الملغومة والمرتاب في صحّتها ومصداقيتها، الأمر الذي ألزم المؤسسات والأفراد على ضرورة التحرّي والتنقيب في مصدر كل معلومة (الرقابة القبليّة الوقائيّة - قبل النشر) لكيلا يتم إنتاج ونشر مضامين إعلاميّة مسمومة تقلب الحقائق وتشوّه الأحداث وتقدّم الشائعة وتنال من كرامة الأشخاص والكيانات والدول وتصدّر الصورة النمطيّة المزيفة والدعاية المغرضة وتضلّل الرأي العام، إضافة إلى ردع وتجريم المضامين الإعلاميّة الكاذبة والمسمومة (الرقابة البعديّة العلاجيّة - بعد النشر).

خولة مرتضوي