كتاب وأراء

هل تحتاج أفغانستان لـ «مهاتير محمد»؟

أول ما أؤكد عليه في العنوان هو أننا نتحدث هنا عن أفغانستان وليس طالبان، وهذه ضرورة تحتاج أن تدركها حركة طالبان في قضية تمسكها بالاسم، وهو الاسم الذي يمثل الحركة لا الوطن ولا الأمة الأفغانية، كما يُعبّر عن شعبها بعض قياداتها باسم الأمة في خطاباته، في حين يحجبها مصطلح الإمارة الإسلامية عن الإفادة من تاريخ الوطن الأفغاني المسلم، وهي قضية مصطلح لا يوجد نص ديني فيه يوجبه ويُحرم غيره.
هذا الشعب المُصابر لن يُمكن أن يستفيد من تاريخ هذه الأمة، منذ هزيمة الغزو البريطاني حتى هزيمة المحتل الأميركي، وقد قُطعت الصلة بأمته، إن القضية هنا التي تحتاجها طالبان في أول فهم لعلاقة ظرفها بمسيرة د. مهاتير محمد، هو تثبيت الإطار الوطني التاريخي لشعب ماليزيا المسلم، وهي قضية ورثها مهاتير من بداية مفاوضات الحركة الوطنية في ماليزيا لخروج المحتل البريطاني.
فهل نقصد هنا أن أفغانستان بحاجة إلى مهاتير أفغاني؟
يقود حكومة تكنوقراط وطنية ويُحافظ على هوية الشعب المسلم، ويراعي تنوعها ويدفعها للنهضة، ربما هذا أمرُ مشروع لكنه ليس واقعيا اليوم بناء على المستوى الفكري للسقف الذي بلغته طالبان، ليس لأن د. مهاتير من الطليعة العلمانية الوطنية في ماليزيا، فمشروع أسلمة الحداثة قاده المفكر الإسلامي د. أنور إبراهيم بدعم ورغبة من مهاتير، وأصبح اليوم جزءًا من ثقافة الأمة المالاوية المسلمة، وقاعدة لحماية قوميتها ساعدها في احتواء الديانات والأعراق المتعددة.
ولكننا نقصد هنا، شخص د. مهاتير بذاته، وربما د. أنور إبراهيم وزوجته العظيمة د. وان عزيزة، التي قادت استعادة الديمقراطية في البلاد، إن هذه الشخصيات ونبدأ من مهاتير، دولة أفغانستان اليوم بحاجة ماسة لها، لكي تُدرك حركة طالبان كيف تُصنع هذه المنظومة الوطنية الانتقالية والإستراتيجية، وأن حماية الهوية الإسلامية، تحتاج إلى كتلة وطنية تخوض غمار السياسة في حقل ألغام دولي وآسيوي متقارب جداً من تجربة ماليزيا، وبالذات الارتباط مع التنين الصيني، والاشتباك المزدوج بين المخاوف والمصالح.
كما أن تأسيس النهضة الصناعية، التي ستستفيد من نزاهة حركة طالبان حتى اليوم، نقول حتى اليوم لأن السقوط في الفساد عَبَر على تجارب إسلامية عديدة، ونأمل أن تنجو منه طالبان.
وهذه النهضة أبدت طالبان رغبة قوية في التقدم لها، كونها جسراً دولياً يساعدها لتحييد الخصوم، ويعوّض واقعها الاقتصادي الصعب، وبالذات بعد خروج الأميركيين ووقف دعمهم، والفراغ الاقتصادي الذي يهدد الدولة، فهنا كوالالمبور ذات تجربة حسّاسة جداً ومهمة، في عبور ذلك الحصار الدولي الذي أغرق شرق آسيا، قبل أن تستعيد ماليزيا توازنها والعودة إلى التطوير الصناعي.
كما أن طالبان ستطّلع حين الانفتاح على التجربة الماليزية، على قضية مهمة جداً، وهي أن كثيراً ممن تكافحهم من حركات أو مجتمع للنساء في أفغانستان، هو صور موجودة في الواقع للمرأة الماليزية الإسلامية، التي تُناضل بكل قوة للدفاع عن هويتها الإسلامية، ووطنية المالاوي التاريخية، وفي ذات القوت هي سيدة محجبة في مؤسسات البرلمان وفي الجامعات، وفي المؤسسات العامة للدولة، وفي الحزام الثقافي والاجتماعي، هذا فقط في تيارات ماليزيا الإسلامية المتعددة، فضلاً عن احتواء ماليزيا للتعدديات المسيحية والسيخية والبوذية، واختلاطهم وتعايشهم في المجتمع وفي مؤسسات الدولة.
وفي أفغانستان قد لا يوجد هذا التعدد والاختلاف بهذا الحجم، ولكنه موجود في المجتمع، وعلى طالبان أن تعيد النظر في تصورها بأن حضور المرأة واستيعاب التعدد هو عمل (الكُفّار)، بل هو بمقاصد الشريعة هنا ضرورة شرعية، كونه فريضة وطنية لا يمكن الخروج عليها في مصالح الشعوب والسلام بينهم، بمواجهات وحروب وصراعات إثنية، ستفتح الباب لسقوط جديد لأفغانستان.
إذن مساحة الإفادة لطالبان وللدولة الأفغانية الوليدة من التجربة الماليزية كبيرة جداً، وتستحق أن توفد طالبان وفداً من شبابها لكي يُقيم فترة زمنية للالتقاء بالدكتور مهاتير محمد وغيره، لاستيعاب التجربة والدروس العقلية التي قد تُنقذ أفغانستان من كوارث عديدة، فالرأي قبل شجاعة الشجعان، إن الذخيرة المسلحة لا تغني شيئاً في صعود الأوطان واستقرارها، بعد انتهاء الحرب، إلا من حيث الدفاع القومي للوطن، وأما العهد السياسي فهذا أوان الرأي والفهم والإستراتيجيات الذكية، قبل أن يسبق السيف العذل.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل