كتاب وأراء

حب الجرين كارد

الحب الحر عاطفة محض حرة رغم توفر فرص التنوع والاختيار، إنها مشاعر غير خاضعة لنوازع ورغبات وغرائز.
فنحن غريزيًا نحب أبناءنا، وبدافع الإكبار وليقال عنا أوفياء، نحب آباءنا، فهو حب مسبب.
نحب الأوطان لأسباب: فهي مراتع الطفولة وحقيبة ذكرياتنا ومسار فخرنا وكلما أعلنا وأعلينا حب الوطن وزايدنا عليه وتبارينا، كبرنا في أعين مجتمعنا.
لكن أن تحب مكانا بلا سبب وبمحض اختيارك، فهذا يختلف عن رغبتك للإقامة في أميركا للحصول على «الجرين كارد» أو محاولتك استغلال فرصة حمل زوجتك، فتسافر لتلد بمستشفيات الولايات المتحدة فتحصل على الجواز الأميركي، فأنت هنا تختار مكانا اكثر منفعة وتستطيع سرد عشرات المصالح لتفضيلك له. لكن اختيار إنسان لبلد ولتكن «اوكرانيا» لانه ينسجم بهذا المكان الذي ربما لا يعرف لغة اهله أو ثقافتهم، فهذا هو الحب الحر.
يقول الدكتور عدنان ابراهيم: «الحب الحر عبارة عن عاطفة غير مخدوعة بحماسيات أو انفعالات ووجدانيات رائجة وسائدة. إنه كالسقوط الحر للأجسام بمعزل عن الهواء والحرارة أو المؤثرات. إنه حر من رقابة المجتمع، حر من الرغبة، من الرهبة من القانون. فانت هنا رقيب على ذاتك ومن ذاتك، الحب الحر ينشأ في لحظة اختيار حر للأشخاص أو الأشياء أو الأماكن أو القناعات».
بالمثل، قد يحب المرء الدراسة للحصول على مراتب علمية تنقله في السلم الاجتماعي ليرفع مكانته في محيطه. هذا ليس حبا حرا، بل اسر لنمط مجتمعي يمنح رتبة مقابل علم أو خبرة.
هناك من يحبون العلم والآداب على اختلافها أو رغم خلاف مذاهبها، لأنها تحقق متعة فكرية حقة. ولا ابالغ إن قلت إنها اقوى من المتع الحسية إذا تعمقنا في حب المعرفة أو ما يطلق عليها اصطلاحا «فلسفة» أي محبة الحكمة. وهم هنا برغم توفر واتساع فرص الاختيار. لكن يظل انتخابهم لهذا الشاعر أوالمفكر أو الرسام محض اختيار حر.
يتابع د.عدنان «الحب الحر عبارة عن حب خال من الأعباء سوى عبء الوفاء للقناعات التي اخترتها بمحض ارادتك رغم توفر كامل الفرص لتجاهل هذا الاختيار واستبداله.
لن تخشى من دموع أو حيل أحد في التأثير على اختيارك في شيء تحبه. أنت تحب خبز أمك وقهوة امك بدافع غريزي أو للتعود. لكنك محض حر في أن تحب «الباييا الأسبانية» أو «المنسف الاردني» أو «السوشي» وتدفع لتناوله رغم توفر طعام شهي في بيتك.
حب غير مشروط بأعلى سعر أو بما يحبه أو يطلبه الآخرون ولن يضحك عليك أحد أو يخدعك إنسان إلا إذا خدعت ذاتك بقبول ما يحبه العوام لإرضائهم.
ليس المقصود خالف لتعرف، لكن المعنى أن تختار بمحض حريتك لترضى.
بقلم: داليا الحديدي

داليا الحديدي