كتاب وأراء

نشر ثقافة التعايش والتسامح الديني في منابر الإعلام الجديد

إننا اليوم في أشد الحاجة إلى تفعيل مبدأ ثقافة التعايش والتسامح الديني وأخذه من طوره النظري البحت إلى طور التشغيل التطبيقي، فمجتمعات القرن الواحد والعشرين بحاجة إلى هذا التعايش والتسامح العظيم الذي، فيه وحده، يتم القبول بالآخر المختلف والتعايش معه بإيجابية ومرونة حقيقية، فالتقارب بين الأمم والحضارات والثقافات أصبح واقعا كبيرا بفعل ثورة الاتصالات التي جعلت العالم (غرفة واحدة) يستوطنها الجميع، مُزيلة كافة الحواجز الزمكانية بين هؤلاء الجماهير الغفيرة المتباينة، وهو الأمر الذي يدفع بهؤلاء السكان في هذه الرقعة الصغيرة إلى إيجاد مساحات مشتركة مع غيرهم من المستوطنين؛ تحقيقا لمصالحهم الفردية والمشتركة والمضيّ بهم بسلام وأمان إلى الغد المشرق الذي يضم الجميع.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿ومنْ آياته خلْق السماوات والْأرْض واخْتلاف ألْسنتكمْ وألْوانكمْ ۚ إن في ذٰلك لآيات للْعالمين﴾. وورد في السنة النبوية الشريفة قول النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم-: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيبه يوم القيامة»، إذن فدستور الإسلام الخالد المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ يفيض بالمعاني التي تجعل التسامح لغة إسلامية أصيلة ومعنى أخلاقيا شرعيا، وفلسفة إنسانية جامعة، إن هذه النصوص المقدسة أعطت زادا نظريا شاملا للممارسات الإسلامية المطلوبة بشأن التسامح وقبول الآخر، وقد انعكست هذه التوجيهات الإلهية والنبوية بشكل تطبيقي ومنذ أول حكم للإسلام، أي في عهد الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- وعهد صحابته الراشدين، وانجلت هذه التوجيهات كذلك في العديد من المواثيق والاتفاقيات والنصوص السياسية، مثل: دستور المدينة وحلف الفضول وصلح الحديبية وغيرها.
واستنادا لما تقدم، نقترح عددا من الاستراتيجيات الإعلامية للتعامل مع خطاب الكراهية، وهي: أولا: اعتماد لغة الحوار الحضاري وتعزيز ثقافة الاختلاف، وذلك من خلال تقديم مضامين إعلامية جاذبة (معدة لبيئة الإعلام الجديد) تدعو إلى ترسيخ قيم الألفة والمحبة والتعايش والتعاون السلمي، وبث الصور الذهنية المختلفة للعلاقات الإنسانية في صورتها المشرقة الإيجابية المبنية على ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر ونبذ العنصرية والطائفية والتعصب والتطرف، واعتماد لغة الحوار واحترام التنوع والاختلاف والتعدد. وهنا يجب التأكيد على أن اللغة الصورية (أي التي تعتمد على صور ومقاطع فيديو وأفلام) هي الأقرب لمخاطبة الجماهير من استخدام المقالات والخطب المطولة. ثانيا: اعتماد الخطاب المتصالح وتجنب الخطاب الانفعالي، وذلك من خلال الاعتماد على الخطاب التنويري الموضوعي العقلاني المتصالح والهادئ، فالخطاب الانفعالي الذي تضج به ساحات الإعلام الجديد يعتمد على التشويه والتعابير المتجاوزة غير اللائقة والعنف اللساني النصي الذي يولد في مقابلة (كردة فعل معادية) عنفا لسانيا نصيا أكبر، وهي جزء من الحرب النفسية الباردة التي تغذيها أطراف وتحالفات خفية حول العالم ويراد بها إلهاء الناس واختراق عقولهم ومشاعرهم وتوجيهها وفق مخطط مدروس، سبيله شل الإرادة والتفكير المنطقي وكسر المعنويات والعزائم، وهدفه زعزعة وتدمير وتخريب البلاد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وإدخاله في دوامات الكراهية والعنف.
ثالثا: نبذ لغة الكراهية والابتعاد عن التحريض، وذلك من خلال منع وتجريم المضامين والرسائل الإعلامية والتغريدات التي تتبنى لغة الكراهية والتحريض (لمكون أو مجموعة أو جهة، أو فكرة، إلخ)، لا سيما عند وجود اختلاف ديني، أو مذهبي أو طائفي، إضافة إلى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في هذا الجانب، إضافة إلى تفعيل دور إعلام السلام الذي تتكاتف فيه كافة أجهزة الإعلام الحكومية والخاصة، التقليدية والجديدة على منح أطراف الصراع فرصة متكافئة لإسماع صوتهم؛ إيصالا لمطالبهم وتقريبا لوجهات نظرهم. إضافة إلى منح الشباب فرصة لإبداء وجهة نظرهم، وإشراك كافة مؤسسات المجتمع التعليمية والبحثية في تحقيق أهداف إعلام السلام والحوار وللوقاية من شر ثقافة الكراهية. رابعا: نشر القيم الإنسانية الجامعة، وذلك من خلال بث القيم الاجتماعية الأساسية والنبيلة التي من شأنها أن تجمع الأسرة الإنسانية وتؤكد على المساواة والعدالة، ورفض العنف، رفض الظلم، الإيثار، مشاعر التواد والتعاطف والانتماء المشترك وتعزيز السلام والمسؤولية المجتمعية العالمية، وزرع الإحساس بمآسي الآخرين. وتجدر الإشارة إلى أهمية دور علماء الدين والأكاديميين والباحثين المتخصصين والنخب المثقفة في زرع بذور هذه القيم السامية لتتحول إلى سلوكيات ثابتة. خامسا: تصحيح الصور النمطية (الدينية) وضبط المصطلحات، وذلك من خلال ضبط المصطلحات والمفردات المقدمة، وبناء الصور الذهنية الصحيحة عن الدين وأهله بشكل مبسط وواضح والتركيز على جانب العدالة والتسامح والسلام فيها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدين يعتبر القوة المركزية الكبرى التي تحرك وتحشد الجماهير العالمية، وإن من أبشع صور خطاب الكراهية هي تلك الصور النمطية التي تظهر الأديان وأتباعها بشيء من التشدد والمغالاة واستخدامه أداة للتفريق وإلغاء الآخر الإنساني. ومن أهداف ضبط المصطلحات، علاوة على هدم الصورة النمطية السلبية وبناء وتأكيد الصورة الذهنية الصحيحة، أن استخدامها السلبي ولد حربا نفسية مشتعلة الفتيل لا يمكن السيطرة عليها إلا من خلال تصحيح المفاهيم والتوقف عن تغذية الصفحات والتطبيقات الإلكترونية التي ترد فيها مصطلحات ملغومة يراد بها العنف والتحريض الديني والعنصري والطائفي والمذهبي، مثل: (الكفار، النواصب، الإرهابيين، الدواعش، المجوس، الصفويين، الصليبيين، أبناء صهيون، الروافض، الإخونجيين، الإسلام المتصهين، الوهابية المتطرفة، الإرهاب السني، الفاشية المسيحية، شبيحة، محمديون، حزب اللات، إلى غيرها من المصطلحات).
{{{
لأمد طويل بتنا نشهد كل يوم كيف تعيث البغضاء والكراهية فسادا وهلاكا في الأرض، فالأسرة الإنسانية الواحدة تحتاج اليوم، أشد حاجة، إلى خمد هذه النار المستعرة التي هتكت بكافة القيم والأعراف البشرية الجامعة، فهي خطر يتربص بنا جميعا، وكل شخص منا عليه أن يحاربها من زاويته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
{ كاتبة وباحثة أكاديمية
في الحضارة والإعلام- جامعة قطر
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي