كتاب وأراء

لكمات في الكلمات

في كتابه «العنف، تأمّلات في وجوهه الستة»، أشار «سلافوي جيجيك» إلى أنه «يمكن النَّظَرُ إلى مجمل تاريخ البشريّة على أنّه نوعٌ من التّطبيع المتعاظم للظلم الذي يؤدّي إلى معاناة ملايين» من المهمشين سيما الأطفال لسهولة التلاعب بعقولهم ولعدم معرفتهم بحقوقهم، عدا عجزهم عن المطالبة بتلك الحقوق.
فوفقًا لدراسة أميركية فصفعة واحدة على وجه طفل تدمر زهاء خمسة آلاف خلية في مخه كما أن بعض الكلمات عبارة عن لكمات جارحة ومؤذية، وقد سميت كذلك لكونها تترك جروحًا حقيقية في الدماغ وتتلف خلايا بالمخ مسببة عطبا في التفكير أو عجزا في النطق أو شللا في التصرف عدا ضعف في التقدير الذاتي وتقليل مشاعر الجدارة بالاستحقاق.
فمعاناة الأطفال والشباب بسبب عدم تكيفهم مع مجتمعهم مردها سوء معاملة الأهل أو ترددهم في التصدي لتنمر وقع الأبناء ضحيته، فيصاب الابن باكتئاب يودي إلى انطواء وقد تتفاقم الحالة لدى البعض كما جرى مع طبيبة شابة، ألقت بنفسها من الطابق السادس بأحد المولات التجارية بمصر عقب مشادة هاتفية مع أسرتها.
للتقريب، فقدرة أعصاب الإنسان على الاحتمال تتفاوت كقدرات الأسلاك على تحمل فولت الكهرباء، فالأسلاك يتم تصنيعها من معادن مختلفة من الفلزات النحاس، الألومنيوم، الاستانلس.
كذلك الناس معادن، وبالمثل يتباينون في قدراتهم على التحمل.
والفولت هو الوحدة المستعملة لقياس القوة الكهربائية المحركة وهناك أسلاك تحتمل 110 فولت، فإن حملتها 220 فولت انفجرت، وبالمثل فأعصاب البشر تتفاوت في فرق الجهد والتحمل.
ولهذا فمعاناة الشخص المجروح قد تتحول لدى أحدهم لآلام نفسية وشعور سلبي وإحباط في حياته، فيما تتحول لدى آخرين لفشل غير منتج تشل أي تقدم في حياته، تمامًا كالأسلاك المحملة بضغط وفولت أقوى منها تنتهي بتهشم الأسلاك.
بالمقابل كلما قللت الضغط، تيسر عملية تسير شحنات الكهرباء.
يقول د. محمد طه بكتابه «ذكر شرقي منقرض»
بعض الآباء مصابون بالنرجسية، الغرور وحب التسلط ويفهمون الآباءية على انها منصب يخول لهم الفوقية، الوصاية والعدوان، فيُحجرون مشاعرهم تجاه أبنائهم ويفسدون علاقتهم بهم بالمزيد من العنف والغطرسة، فيما يتوقعون برا وحنوًا وإحسانًا.
فالأب االجارح يدمر أبناءه بالإهانات تحت مسمى التربية والتأديب أو حتى المزاح، ثم يُعير أطفاله لكونهم أغبياء أوأقل تفوقاً أو انصياعاً من أبناء الآخرين، وهب نجحوا، يشكك في نجاحهم.
بالمقابل، فالكلمات الطيية، الحسنة، المعسولة، تخلف في الدماغ ذات الأثر الذي يخلفه تناول الحلوى فكما السكر يغير مذاق القهوة، كذلك كلمة حسنة تغير مرارات الحياة وتحليها.
لكن مع استمرار مسلسل التحطيم والتصادم يفاجأ الأهل أنهم «كآنية الزجاج تصادمت، وكل كاسُر مكسور» كما يقول بن الرومي.
عصير القول
أولادنا لن ينجحوا في حياتهم بفضل ما تركناه لهم بل بسبب ما تركنا فيهم، فقد يستنزفون ما تركنا لهم في أيام، اما لو تركنا فيهم ما يكفي لدعم نفوسهم فليس علينا ترك الكثير من المال، لأنهم حينها يستطيعون شق طريقهم في الحياة وكسب المال بأنفسهم، كونهم أقوياء من الداخل.
والمدهش أن العنف الأسري لا يصدر سوى من الشخصيات الهشة التي تستر ضعفها بصوت عال أوتسلط
مع استعداد فطري لتحمل القليل من وخز الضمير مباشرة عقب انتحار الضحايا أو وفاتهم، ساعتئذ هم على استعداد للاعتراف بجبروتهم وتمثيل الندم كونهم يرسلون بشكل غير مباشر تأكيدات مستترة عن قوتهم وخيريتهم.
بقلم: داليا الحديدي

داليا الحديدي