كتاب وأراء

الدرس الأول

عادت صغيرتي من المدرسة لتروي لي قصة الدرس الأول..
لقد قامت معلمتها بتوزيع حلوى على شكل كرات متناهية الصغرات ذات ألوان مختلفة، ثم طالبت التلميذات بوضع الحلوي في فمهم وقالت: حين وضعتم السكاكر داخل أفواهكم صارت كلها بلون واحد، وأنتم كالسكاكر تختلفون في الأديان، الجنسيات، الأشكال، الألوان، والبيئات ولكن تجتمعون في مكان واحد لأنكم كلكم بشر طيبون تنتمون للعائلة الإنسانية، على اختلاف العقائد والأوطان، ولن تكونوا أشراراً، إلا إذا اتسختم بأخلاق خربة، تماماً كما السكاكر مختلفة الألوان لكنها حلوة المذاق، لا تَفسُد الا بالاتساخ.
التعليم الأجنبي يوفر طريقة أفضل في فتح الآفاق وتطهير العقول كما يهتم بالدقائق، لكنه نادر العناية باللغة العربية،
يجدر الإشارة إلى أنه تأتيني تقارير مدرسية عن صغاري كل ثلاثة أشهر.. وألمس من التقرير الإنجليزي دقة متناهية، عن أوضاع أبنائي فيما يختص بمستوى ادراكهم، درجة ثقتهم بأنفسهم، حالتهم الصحية، وضعهم التعليمي ونظافتهم الشخصية، وكيف استطاعت الطالبة التعبير عن مرادها مستخدمة مصطلحات جديدة مع إشادة بتحسن مستواها التحريري ومفرداتها المكتسبة، كما يذكر التقرير عدد الحروف التي يتلعثم فيها ابني، مصحوبا بورقةٍ بها أسماء للاستشاريين المتخصصين في تصحيح النطق.
كما يلفتني التقرير عن مشكلة فرط في النشاط الحركي لأحد أبنائي، مع تحذير من تأثيره اللاحق على تركيزه وقبوله الاجتماعي، مع حَثي لعرضه على مختص.
يبشرني التقرير باستيعاب ابنتي للعمليات الحسابية باستثناء عمليات القسمة، مع مطالبتي بتدريبها عملياً أثناء التسوق عن طريق منحها الفرصة لدفع الحساب بنفسها لتتاح لها عمليًا ممارسة القسمة كي لا يكون الحساب مادة مضجرة بعيدة عن الواقع، كما أفادني أن ابنتي تستطيع الآن التحدث عن خواص بعض المعادن وتغيراتها واستخداماتها مع لفت نظري للوحات ابنتي، كون أفكارها مبتكرة. وأشارت المدرسة لخطئها باعتقادها أن ابنتي الأصغر انطوائية، فيما لاحظت أنها كانت تختبر الماء لتتحسس مدى مقبوليتها اجتماعيا قبيل الانخراط بين الأصدقاء، مؤكدة أنها من أقوى الطلاب فهماً للغة الجسد.
وأخطرتني أنها عالجت مشكلة صغر خطها، حيث كانت تعتقد أن الأنثى لابد أن تتسم بصغر حجم الخط لتكون رقيقة.
فيما اكتفى التقرير العربي بالتالي:
كرمة طالبة مؤدبة ونشيطة، جيدة مع المعلمة، بورك فيها. دخلت ذات مرة الفصل بعد انتهاء مواعيد الدراسة فوجدت ابني يشاهد فيلما وثائقيا مع زملائه وكان ماداً قدميه فيما كان المدرس الإنجليزي يشاركهم المشاهدة فشعرت بحرج شديد وسألته
: كيف تسمح له أن يجلس على هذا النحو؟ فأخبرني أن طريقة جلوس ابني تنم على أنه مرهق لنهاية اليوم الدراسي ولا شيء فيها سوى أنه يطلب الراحة، كما أضاف أنه هو شخصيًا يجلس بنفس الطريقة حينما يكون متعباً وحذرني من احراج ابني ليس فقط أمام أحد ولكن حتى أمام نفسه، كي لا تهتز شخصيته.
كما حذرني أيضا من الأفلام الكرتونية لكونها تحتوي على مواد عنف أكبر بكثير مما تحتوي عليه برامج وأفلام الكبار واعطاني أسماء مواقع آمنة لألعاب لأبنائي.
الشاهد أننا بصدد مدرستين، إحداهما تنقب عن مواهب الطالب، فيما تكتفي الأخرى بالدعوات والتبريكات.
إحداهما تعين الطالب على معرفة ذاته، فتسجل بعين فاحصة مشاكله، إيجابياته وسلبياته لمعالجتها، لتجنب هدر عقود من عمره بحثاً عن جانبه المضوي، بينما تنشغل المدرسة التقليدية بتقديم مناهج قوية وكأننا في حلبة صراع لا إبداع. فأثناء دراستي بمدرستي لم يلتفت لموهبتي في الكتابة سوى معلمتين فقط. واذكر معلمة ثالثة صدتني بشدة حين سألتها عن اسم شاعر كانت قد طالبتنا بإعراب بيت له، فصرخت مع وصلة تسفيه كادت تنسيني الأبجدية.
فضللت الطريق لعقود ولم أدرس الأدب العربي على أنه ضالتي، واشتغلت في وظائف كثيرة بعيدة تمام البعد عن الكتابة بسبب منهاج تربوي قلما يعين الطالب على معرفة طريقه.

داليا الحديدي