كتاب وأراء

نميري.. اندهش مرتين!

كان معلما. أديبا، وكليما، وخلوقا، وصاحب قفشة عابرة.. ولكن ليست تلك هي القصة.
كان مع اثنين، يديرون برنامجا معنيا بالأدب، في تليفزيون الجزيرة، إحدى ولايات السودان المتاخمة للخرطوم العاصمة. كان هذا البرنامج يبث، في ذات الوقت، في التليفزيون القومي، ويحقق في كل مرة نسبة مشاهدة عالية جدا.. وكان من متابعيه الرئيس النميري، شخصيا.
في إحدى زيارات نميري لمدينة مدني، التي يبث منها البرنامج، طلب من حاكم الإقليم- عبدالرحيم محمود- ان يترتب له لقاء مع هذا المعلم الأديب، الخلوق.
في اللقاء، طلب منه الرئيس نميري، ان يحقق أشعار شاعر سوداني ضخم اسمه ود البنا، ويجمع اشعاره في ديوان، وسيتكفل نميري بالطباعة، والنشر.
ثلاثة أشهر، وكان ذلك المعلم الأديب، وراء اشعار ود البنا، من قرية لقرية، ومن مدينة لمدينة، محققا، وضابطا.. وكان في كل مرة يزور فيها الرئيس نميري، مدينة مدني، يطلب لقاء الأستاذ، ليتعرف أين وصل التحقيق في الأشعار، وأين وصل الضبط.
في واحدة من المرات- وفي نهاية اللقاء- أخرج النميري ظرفا كبيرا، يبدو أنه كان ممتلئا بالدولارات، ومده للأستاذ.
دا شنو ياريس؟
هذه مصروفات، لتنقلاتك يا أستاذ!
ضحك الأستاذ، قبل أن يقول: ما أقوم به، هو أحد الأعمال الممتعة جدا في حياتي.. وما أصرفه لا يساوي شيئا لآخذ مقابله من السيد رئيس الجمهوية. شكرا يا ريس!
نميري- فيما يبدو- اندهش كثيرا.. ولعله لم يألف مثل هذا التصرف، من الذين يحيطون به. تراجعت يده الممدودة بالظرف (الشحمان). ابتسم وهو يقول للأستاذ: عموما.. متى ما احتجت لي في أي طلب، فستجدني حاضرا جدا!
ودعه الأستاذ، وخرج، من مقر إقامة الرئيس..
وبعد خمس دقائق عاد ليقول للرئيس: يا ريس الآن أنا أحتاج إليك!
أخذ النميري الظرف، وهو يخطو باتجاه الأستاذ، ويبتسم.
- لا لا يا ريس. لو سمحت ضع الظرف جانبا.. إنني في الحقيقة أحتاج إلى( دفرة).. سيارتي بطاريتها نازلة!
و... كفكف نميري، وراح يدفر مع أحد حراسه، سيارة الأستاذ..
دورت بعد مسافة السيارة التعبانة.. وأخرج الأستاذ، يده يلوّح للنميري.. والنميري في حالة دهشة للمرة الثانية!
#
أكمل الأستاذ الديوان.. وسلمه للنميري، في القصر الجمهوري، قبل شهرين من انتفاضة مارس ابريل.
طبع نميري الديوان في القاهرة، فيما كان في المنفى الإجباري.
توفي الأستاذ.. بعد ذلك بعدة سنوات.
# أيها الناس: ترحموا عليه وأنتم تقرأون هذا المقال.
# أيها الناس: ذلك الأستاذ، هو شقيقي الراحل الأستاذ
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار