كتاب وأراء

ثم ماذا بعد؟ تقرير تشيلكوت.. وسياسة الأذن الصماء !

توصل تقرير تشيلكوت عن مشاركة بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة في غزو العراق عام 2003، إلى نتيجة مفادها ان الغزو لم يكن قانونياً ويمثل «جريمة عدوان».
وبطريقة غير مباشرة يحمّل التقرير الحرب «غير المبررة» مسؤولية الفوضى التي غرقت فيها المنطقة بعد ذلك ومقتل مئات آلاف الاشخاص.
ومع ذلك لم يوصِ التقرير الطويل بأي ملاحقة قانونية لتوني بلير، الذي لا يزال يدافع عن نفسه قائلاً إنه لم يكن في وسعه أن يفعل شيئاً لأن قرار الحرب كان قد اتخذه الرئيس الاميركي في حينه جورج دبليو بوش، وهذا عذر غير مقبول، لأن دولاً مثل فرنسا والمانيا تجرأت على معارضة الحرب.
والأسوأ من الخلاصات التي توصل اليها تشيلكوت هو توقيت التقرير، حيث صدر في وقت تغرق بريطانيا في همومها ومشاكلها وخلافاتها الناجمة عن نتيجة الاستفتاء بالخروج من الاتحاد الأوروبي? والتطورات السياسية والاقتصادية المترتبة على تلك الورطة، بينما وسائل الإعلام مشتتة بين متابعة التطورات الاقتصادية السلبية? وبين صراعات حزب المحافظين وانتخاباته لاختيار زعيم جديد? وملاحقة تطورات الخلافات داخل حزب العمال والتحرّكات لإطاحة زعيمه جيريمي كوربين، ما يعني ان الهموم الداخلية للبريطانيين ستطغى على أنين أوجاع الشعوب في الخارج الغارقة في حروبها وحروب الآخرين على ارضها.
وفي المقابل، فإن الظروف في الدول العربية حدث ولا حرج لا سيما في العراق الذي لا يعول اهله كثيراً على نتائج التقرير البريطاني لانه لن يغير شيئاً في واقع بلدهم المنهار منذ 13 عاماً والذي يعاني جروحاً لا تندمل? وصراعات لم تتوقف? وإرهابا اذا قطعت له رأسا ينبت بدلا منه عشرة.
وهنا تطل الأسئلة الأخلاقية عمّا حدث في العراق، وماذا بعد هذا التقرير؟ هل تملك الأمم المتحدة فتح تحقيق أكثر دقة يحدثنا عمّن قتل ملايين العراقيين وتسبب في تهاوي السلطة المركزية العراقية، ما أدى إلى وقوع العراق فريسة للصراعات الدولية بالوكالة، ولطائفية شرسة أكلت الأخضر واليابس، خصوصًا أن واشنطن التزمت الصمت، ورفضت الرد عن الاتهامات التي طاولتها وذكرها التقرير، مؤكدة أنها لن ترد على نتائج تقرير تشيلكوت، بادعاء انشغالها بالقضايا الحالية في الشرق الأوسط؟
لا شيء يوحي أن المراجعة محتملة أو ممكنة للسياسات الغربية، بل إن هناك رسالة تستشفها الشعوب في هذه المنطقة تحديدا، هي أن تقويم السياسات تمهيدا لإجراء أي محاسبة معنوية أو جدية، يطاول حسابات الداخل وليس الخارج. والاشكالية في تقرير تشيلكوت تكمن في فداحة تجاهل الضرر الذي تسببت به بريطانيا للعراق والمنطقة عبر إهمال الذهاب إلى النهاية والنظر في التبعات الخطيرة للسياسة التي اعتمدت وعدم الاخذ في الاعتبار الضرر الذي لحق بالآخرين، وليس فقط بالبريطانيين عبر مئات بل ألوف القتلى في العراق، والتغيير الجذري الذي لحق به، إذ إن ثمة ما يستدعي ذلك في هذه المرحلة، خصوصا أن تقويم نتائج هذه السياسة، أي خطأ الذهاب إلى الحرب على العراق، يفترض ان يلحظ ارتدادها على بريطانيا نفسها عبر جملة عوامل، في مقدمها أزمة اللاجئين التي لم تقتصر على أولئك الهاربين من نيران الحرب السورية، بل العراقية ايضا، اضافة إلى أزمة الإرهاب التي عمت المنطقة، وصولا إلى الدول الغربية التي تتحمل جزءا أساسيا وكبيرا مما وصلت إليه الأمور على هذا الصعيد.
أمين قمورية

امين قمورية