كتاب وأراء

في بيتنا داعش

البداية:
«خلف كل تطرف.. مستبد»
- يسكن في آخر الحي، يشبهنا قليلًا لكنه كثير الصمت وقليل التفاعل بالمدرسة، لا يحرك ساكنًا وربما هو الوحيد بيننا الذي ليست لديه أحلام المراهقة والأمل نحو المستقبل، فوالده حطم كل أحلامه وآماله وأصبح همه الوحيد أن يتوخى غضبه الذي نال من شخصيته وطموحه وكيانه حتى بات عدما.
كبرنا وكبرت أحلامنا وهمومنا في حين كبرت معه جراحه وإخفاقاته ففي آخر الشارع يسكن وصيحات دموع الألم نسمعها بسبب ضرب والده له لأتفه الأسباب وغالبًا كان يفعل ذلك لأنه أمر اعتاده وفي يقينه أنه يسير على الصراط المستقيم فبئس القرار وبئس المصير.
قالوا قديمًا «ومع كثرة الضغط ترقب الانفجار» فما كان من ذاك الطفل الهادئ والمراهق التعيس إلا أن انفجر لتتغير خريطته الذهنية ويقرر مصيره ويهرب من نار والده باحثًا عن ظل يؤويه من رمضاء التعاسة التي رافقته طيلة حياته مع ذاك الأب المتسلط.. فماذا حدث؟
أيام فقط.. وفوجئ الجميع بصوره في برامج التواصل يقطع الرؤوس في العراق متحدثًا باسم «داعش» تلك الجماعة التي ارتمى في أحضانها لأن أمثاله ليس لديهم ما يخسرونه، وهي فرصة لينتقم من المجتمع المتمثل بصورة والده المستبد فكل تطرف يأتي بتطرف ومن نسلب حياته وقراره نبرمجه لأن يكون «داعشي» التفكير من حيث لا نعلم.
وقس على هذا الشاب الكثير أمثاله ممن ارتموا بأحضان ذاك الحزب والتجمع الدموي!
يا ترى كيف عاشوا طفولتهم؟ وكيف كانت مراهقتهم وأيامهم؟ ومن أين جاؤوا بهذا الحقد والمخزون الدموي؟ هل يعقل أن يكونوا عاشوا حياة سوية يُحترم فيها كيانهم وتقديرهم؟ أم أنهم صورة متشابهة من ابن حيّنا الذي تمرد على هدوئه وطبيعته بسبب تسلط وظلم والده؟
ومضة وتساؤل:
كتب د. سعد بن طفلة مقالًا تحليليًا جاء فيه «الحقيقة التي لا نستطيع نكرانها، أن داعش تعلمت في مدارسنا وصلّت في مساجدنا واستمعت لإعلامنا»..
هذا يجعلنا نصل لنتيجتين الأولى أن داعش خلقتها أخطاء ذوي القرار على اختلاف مراكزهم؛ فعندما لا تشعر بالاحترام والتقدير لكرامتك وإنسانيتك يتولد لديك حس بالانتقام من هذا المجتمع انتصارًا لكيانك ولتتضخم ذاتك وبهذا تكون قد عبّرت عن نفسك وفرضت وجودك عندما أراد الآخرون إلغاءك وبالتالي تفرض قراراتك بدموية تشفي فيها غليل الحرمان والتهميش.
والنتيجة الثانية والأهم أن وجود داعش هو إعلان حقيقي لفشلنا بخلق مجتمع يحترم حريات الآخرين ولا يمارس لعبة الإقصاء تجاه الفرقاء والمختلفين فكريًا ولا يحابي طرفا على آخر ولا يُسلط حناجر الغنم لتطلق أصواتها المزعجة تجاه مذاهب وطوائف الآخرين بغية تفكيك وحدتهم.
داعش لم يأتوا من كوكب آخر ولا من زمن مختلف بل هم من عاش بيننا وتعلم ودرس وبسبب التطرف الديني وفهمهم الخاطئ للإسلام الذي هم بعيدون عنه، نحروا وقطّعوا الرؤوس، وانضمامهم وتضامنهم مع هذا النهج جاء نتيجة فشلنا باحتوائهم وقتل ذاك الداعشي الصغير الذي يسكنهم بسبب تفككنا وتطرفنا تجاه بعضنا البعض وضياع بوصلة العقل والتفكير فكان هذا أساس قيام وجودهم وبناء دولتهم التي يأملون.
نحن من يتحمل المسؤولية، فكل منا فيه «داعش» صغير تجاه المختلفين عنه ومن تتطرف ضده لا تنتظر أن يقابلك بالود والتقدير فالتطرف مؤذٍ أيًا كان حجمه وشكله ولا ينتج عنه إلا دمار العقول، وستستمر تلك الجماعة الدموية بالتمدد والاتساع ما دام بالمجتمع أشباه ابن حيّنا المضطهد فالشاب الجامعي والذي ينتظر طويلًا للحصول على وظيفة براتب لا يكفي لحفظ ماء وجهه قد يتنازل عن عقله ليُحرَك سكينة على رقاب غيره، ورب الأسرة الذي يقف طويلاً على طوابير الإسكان ليبيعوا له الوهم والوعود الكاذبة قد يدفعه ذلك للتمرد على الشعور بالظلم وقلة الحيلة.. حتى المجتمع الذي تنتهك حرماته ولاتُصان كرامته وتُحترم مطالبه قد يصبح كله «داعش» لأن الاستبداد والظلم لايوّلد إلا التطرف والدمار «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».
إضاءة:
«حروب الطوائف لا تقودها الطوائف بل الطائفيون فابحث دائمًا عن المستفيد»
آخر السطر:
وش يفكك من داعش يافهيد.. حط رجلك
بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي