كتاب وأراء

الحياة بشروط

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
لم يعش من عاش بدون خيارات وبدون أن يختار.
لم يعش من عاش بدون الخربشة والنبش للتنقيب عن نفسه من أجل معرفتها.
لم يعش من عاش بدون خسائر ومجازفات.
لم يعش من لم يكسر روتين حياته.
لم يعش من لم يتمرد على عاداته.
لم يعش من لم يجرب طعام الغرباء.
لم يعش من لم يغير ستايل ملابسه وهندامه.
لم يعش من لم يسامح نفسه على هناته.
لم يعش من لم يجرب عطر العود الكمبودي كونه متمسكا بالعطور الباريسية.
لم يعش من لم ينفتح على التنوع.
لم يعش من لم يجرب استخدام صوته المستعار.
لم يعش من لم يغير وضعية الأثاث في داره.
لم يعش من لم ينفتح على الموسيقى العالمية والآداب العالمية.
لم يعش من لم يركب «التوك توك» والحنطور والدراجة والحافلة والمترو، بل ومن يركب المخاطر وإن إمتلك سيارة «رباعية الدفع».
لم يعش من لم يتمسك بالمبادئ والأخلاق ولو جاءت من غريب.
لم يعش من لم يتعلم العلم ولو كان معلمه من غير عقيدته.
لم يعش من لم يستمتع بتداول العملة ساعة السفر.
لم يعش من عاش بعينين لكنه أحادي النظر.
لم يعش من لم يجرب اضطرابات الموج في أعالي البحار.
لم يعش من لم يجرب مواقف تذيقه الفقر والغنى، الاكتفاء والاحتياج، الخطر والأمان، التكريم والتجاهل.
لم يعش من لم يغير وجهة مصيفه، مشتاه ومشتهاه.
لم يعش من لم يفهم أن السفر كشف، فيهجر الأماكن لالتقاط صور لا لاقتناص تجارب.
لم يعش من لم يصرخ من الفرحة لعودة ضال فقده.
لم يعش من عاش لسواه فقط ونسي نفسه تماماً.
لم يعش من لم يقاوم.
لم يعش من لم يرفض.
لم يعش من لم يشترط
لم يعش من لم يقتنص.
لم يعش من لم يحاور.
لم يعش من لم يستهدف حلمه.
لم يعش من لم يخض خضم انفعالات حب، كراهية، نفور ووفاق.
لم يعش من لم يضاحك الغرباء.
لم يعش من لم يفهم أن ألاعيب المتسول تشبه غش بعض التجار.
لم يعش من لم يفهم أن استغلال القريب يشبه سرقة اللص.
لم يعش من لم يخض تجربة المشي تحت عواصف الجليد.
لم يعش من لم تلحفه شمس الصحراء.
لم يعش من تنازل عن كرامته.
لم يعش من لم يصمم.
لم يعش من لم ينظر لمختلف الاتجاهات ويخض شتى الدروب.
لم يعش من لم يشك أوجاعه ويعلن عن هواجسه.
لم يعش من لم يختبر سجدة خالصة مع خالقه.

داليا الحديدي