كتاب وأراء

من المنتصر بين سعيد وحلاق ؟

إن أهم قضية لفهم الخلاف بين منهج د. إدوارد سعيد ود. وائل حلاق هو أنها تفتح الباب لحقل أكاديمي جديد في موضوعه، ومنصة حواره التي يحتاجها عالمنا اليوم.
فحين نعود إلى كتاب (الاستشراق) وتتبُّع سياقات المؤلف ذاته، والنظر إلى جوهر خلاف وائل حلاق مع إدوارد سعيد، وهو الموقف من المرجعية المعرفية السيادية للاستشراق ومسؤوليتها، في حصار الشرق المسلم والعالم الآخر، أو المعرفة الأخرى، خارج مصالح الغرب ومفهوم تمييزه.
فالاعتبار هنا: هل الاستشراق كان فرعاً لهذه الحداثة، نلاحظ أن سعيد في أكثر من موضع يقارب هذه القضية، لكنه لا يدخل فيها فضلاً عن أن يتعمق.
فحين يتناول إدوارد سعيد مناقشة هاملتون جب ويعدّه الأكثر لما يستحق الشجب من أعمال سابقيه من المستشرقين، يركز سعيد في صفحات متتالية في نقده لجب بوضع الإسلام في قيمة اللامرئي (الغيب)، ويشير سعيد إلى وجود سيادية وأسبقية للإسلام عن الحياة.
وفي موضع آخر يتحدث عن موقف جب من عدم قدرة الشرق على بناء منظومة -قانون- للأشياء المرئية، ويقول إذا بدت هذه وكأنها (حقيقة)، فهي عاجزة عن تفسير الإنجازات الفائقة التي حققتها العلوم الإسلامية، وبُني عليها القدر العظيم للعلوم الحديثة.
يناقش سعيد أيضاً في أكثر من موضع تناقل المستشرقين، من دنكان ماكدونالد إلى هاملتون جب، فكرة أن الإسلام كان نظاماً متناسقاً للحياة، لكن ذلك يأتي ضمن اهتمام الدارس الغربي لقوة الإسلام، (وتوظيف ذلك لتطويق الشرق).
ويضيف لويس ماسينيون إلى نفس المهمة، فما يجمع المستشرق الوظيفي (للحداثة الغربية القديمة) هو متطلبات قومية سياسية ثقافية معينة للغرب، رغم أن سعيداً يشير إلى استثنائية ماسينيون، التي سببتها عبقرياته الشخصية، فبدأ أكثر إقراراً وانسجاماً إلهامياً عبر تأثُّره بمصادر الشرق، لكن في النهاية وبحسب سعيد لن يقاوم ضغوط أمته وضغوط التقليد البحثي للاستشراق.
إذاً هنا مشكلة سعيد هي عدم عبوره للخط المعرفي الفاصل، والتقدم لفهم المقارنة المعرفية، وليس المشكلة في إدانة الاستشراق الذي سيظل سعيد متصدراً ومتميزاً فيه، كما أنه فتح الطريق لعبور نوعي احتاجه العالم لا الشرق وحسب، يمثل أبرز فلاسفته اليوم وائل حلاق.
فإشارة سعيد أن الحداثة تمثل تحدياً (إيجابياً) للإسلام وليس إهانة، كما وضعها الاستشراق الإسلامي في الأكاديمية الغربية، تؤكد هذا المأزق لسعيد، باعتبار الحداثة المادية لديه مرجعاً تأهيلياً تقييمياً، وليس حداثة الإسلام القائمة على معرفته المستقلة لا سيادة المعرفة الغربية.
إن المعرفة المستقلة التي خاضها وائل حلاق وجمعه لمحاولات عديدة لممارستها تندرج تحتها الفلسفة الأخلاقية، لكن بجذور أوسع مداراً واستقلالاً، وعبر ضمير أخلاقي متحد في ذات الباحث وفي حقله الفكري، حين يتحقق الشرط اللازم في ضمير الباحث، وهو التحرر من القهر السيادي لمعرفة الحداثة.
وله أن يرجع لها ويدافع عنها، لكن بعد تحقيق شروط النظر، وميزان النقد، ومسلمات الخيرية للأسرة البشرية في كوكب الأرض، ويندرج تحتها أيضاً قضية البيئة والتصالح الكوني بين الإنسان والطبيعة الخضراء، والإنسان والبيئة الاجتماعية، والمحيط الخلقي لمكونات الرحلة الوجودية؛ المرأة والرجل.
رحلة لا يشك المتأمل في أنها منتظمة في سياق بسيط مفهوم للعقل، في كل مراحل عقل الإنسان الزمنية، ودور الفلسفة التي سماها الفلاسفة المسلمون منذ 13 قرناً بالحكمة، لتحريرات الزمن المعاصر، وفهم معادلة الكون القائم، لتكون الرؤية الكونية مداراً للبعث الثقافي والمعرفي، للوصول إلى أيقونات السعادة البشرية.
إن رحلة الشرق المروعة، عبر خللها الذاتي أو عبر حصار الغرب لها، أمام فرصة نهضة فلسفية تنشئ جيل الأمل عليها، من خلال منجزاتهم الفكرية، ونشر الوعي في الشرق، لتحويل هذا المنظار إلى داعم لتجارب النهوض في الشرق وعزل أكبر قدر ممكن من عناصر الفشل، وأرضية الدماء والصراع، وهنا فلا يهمنا من المنتصر بين سعيد وحلاق بل درب المعرفة بينهما.
فالنموذج التطبيقي للمعرفة المنتخبة لا بد أن يكون هو الهدف لصالح الإنسان أينما كان، لكن لن يَسمح له بالقيام كل من القوة القاهرة في السياسة والمعرفة في الغرب، أو النظام السياسي المستبد المتخلف المرتبط بالكولونيالية الحديثة والمجتمع المُجهّل، وإنما عبر الفعل الذاتي والتجربة الأداتية الأخلاقية، والعودة إلى صوت العقل الروحي، لا فوضى العصف العاطفي، إنه الطريق الثالث للمعرفة.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل