كتاب وأراء

رسالة من أم لابنها

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
بني، إنك في نظري ابن مبارك ورائع بل فائق الذكاء سريع الاستيعاب عدا وسامة محياك وطيب نواياك وحنوك على الحيوانات والحشرات، أمومتي لك تمنحني شعوراً رائعاً بالانتماء لعالم من الخير المطلق والأمان، كما تبث في عذوبة سائغة وشعورا بالشبع والثراء والاكتفاء.
إن مجرد إطراء واحد منك وابتسامة قبول تبدو على ثغرك كفيلة لزرع شتلات الحبور في أروقة نفسي، قبلة منك على جبهتي أو ملامسة شعرك أو مشاهدة فيلم في حضرة وجودك، إنما ذاك النعيم الحقيقي.
ابني، إنه من غير المحبذ أن يتحدث المرء عن كنوزه على الملأ، ولكني أرجو منك أن تتذكر محاسني كما أرجو من الأخيرة أن تشفع عندك إن أخطأت يوما في حقك.
إنك تعلم أني ما فضلت عليك وعلى إخوتك أحدًا من مخلوقات العالمين وأني على مودتي، ما جاملت أحدا كما جاملتكم، وما بذلت لسواكم عشر ما بذلته لكم من وقتي وجهدي ومحبتي، ولن أفعلها. إنك توقن بأني لم ولن أستخدم العنف لا معك ولا مع إخوتك ولا أجرأ.
أما وإنك على أعتاب عام مصيري في دراستك وأجد الجوال والحاسوب و«الكروم بووك» يسرقون وقتك وصحتك، فلتلتمس لي العذر إن سمحت لنفسي بسحب تلك الأجهزة التي تستعمرك لتقنين استخدامك لها. أعلم أني لم أوفر لك نشاطا بديلا تفرغ فيه طاقاتك، لكنها شماعة الظروف.
وحيدي، إني لأعتز بك كبير اعتزاز، لذا يحطمني إعراضك عني وإعلانك الصامت عن ضيقك من تصرفي، الأمر لا علاقة له برغبتي في إجبارك على المذاكرة ولكني أخشى أن يسألني ربي: كيف وقد رأيت عينه حمراء وظهره منحنيا وتركيزه قد ضعف ثم تركت معه تلك الوسائل المدمرة لصحته بحجة ضعفك أمام رغباته؟
إني أعتبر تحفظك الغامض بمثابة حكم جائر ضدي يحبطني ويثير فيّ الكثير من الأسى ولا يراعي موقفي كمسؤولة أمام ربي على أمانة أنت تعلم أني سأحاسب عليها حسابا دقيقا.
مكانك الشاغر على طاولة الطعام
يجعل من الزاد نقصان
ومن الحلوى مرار
ومن الغربة غربتان.
ابني، لقد استوطنت عاصمة قلبك، فلا تدفعني نحو الشتات، إنني ما رأيتك يوما تدعس على حشرة، وكم أغار من تفاوت عطائك ومن حنوك على الحيوانات. امنحني من عطفك ما تعطيه للحشرات، ولتسامحني على المنع، علمًا بأني لن أسامح نفسي إن تهاونت بشأن صحتك.
مودتي لك لن تنتهي
أمك

داليا الحديدي