كتاب وأراء

قياسات سرير بروكرست

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
تحكي الأسطورة اليونانية عن حداد استضاف زوارًا للمبيت بداره، فخصص لهم فراشًا خاصًا، ومن زاد طوله عن قياسات الفراش، بتر الزائد من أعضائه، ومن كان أقصر مدّد أطرافه حتى تتمزق. والزائر الوحيد الذي ينجو من البتر أو التمزيق هو من توافقت قياساته بالسرير.
وكم نقابل في حياتنا من لديه في قناعاته «سرير بروكرست» وعليه، فهو يُمزق أي شخص أو أي فكر لا يُطابق قياساته كهذا الحدّاد الصارم. وكل من يخرج خارج إطار قياسات السرير يمزقونه، يبترونه، أو يشوهونه اجتماعياً.
فمنذ القدم يتعلق البشر بكل ما هو موروث من فكر لاعتيادهم على قياسات الماضي والتي تروج للمشي مع القطيع. وبمرور الزمن تغدو تلك القياسات عادات يُقلدها العامة، فتمسي تقاليد لها قوة القانون، ومن يتجرأ على مناقشة تلكم القياسات يُعامل كالصابِئة.
ولأن وحده قانون التغير لا يتغير، فالحياة في صيرورة دائمة سواء في أوضاعها وقياساتها، لذا، فمن الصعب الاستناد لقانون ثابت في مجاراة تلك الصيرورة. وبحسب الإمام محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه «المواقف»، فإن «العلم المستقر، جهل مستقر». لكن مع هذا، لكثرة ما نجد من يتشبث بجهل مستقر بزعم أنه علم مستقر.
وخلال مسيرة العمر، تتداخل ظروف متشعبة فتؤثر على حياتنا، لذلك فمن السفه التوقع أن العمل لثماني ساعات يوميًا سيضمن لك تحقيق ثروة هائلة.
ومحاولاتك التودد لصديق بشتى مظاهر الاهتمام ليست ضمينة لاستجابته، فقد تكون هناك اطراف أو ظروف أخرى تؤثر في العلاقة وإن لم تظهر على السطح كالغيرة أو التعالي.
ومحاولة المختصين في التغذية حل مشكلة السمنة عن طريق ممارسة الرياضة لساعة يوميًا وتقليل جرعة الطعام مع الالتزام بسعرات محددة قد تنجح مع البعض وتفشل مع آخرين لوجود ظروف أخرى تعيق الالتزام بالنظم الغذائية أو ممارسة الرياضة.
ومع هذا هناك من لا يزال يؤمن «بسرير بروكرست» لإنقاص الوزن، فتراه مصممًا على أن ساعة مشي مع اتباع ورقة «الرجيم» ستفضي لإنقاص الوزن.
وحين يفشل مريض السمنة، يُحكَم عليه بضعف الإرادة بل ويقارن بمن استطاع إنقاص وزنه سريعا. وهنا يتم تجاهل مؤثرات أخرى منها مدى مقاومة الجسم للانسولين، ومنها أيضا العمر. وبالنسبة للإناث، مدى اقترابهن من مرحلة انقطاع الطمث التي تؤثر على عملية الأيض ما يبطئ الحرق، ومنها قدرات الفرد على المثابرة على أداء رياضة منتظمة بالنظر لظروفه المادية التي قد تعيقه من الاشتراك في ناد أو تُعسر عليه توفير أغذية وأدوية الحمية أو ظروفه الأسرية التي قد تحرمه من ممارسة الرياضة.
كما أن وجود حافز من عدمه ينهض كظرف مؤثر. ومنها كذلك وجود المريض في أسرة داعمة تمنع تداول الكربوهيدرات أو وجوده في وسط يمرر لك الحلويات بانتظام. فمن يعيش بين عائلة لها وعي صحي يعيش ظرفًا أسهل من الذي يحيا في وسط يدس له كميات مهولة من السكر في طعامه منذ الصغر، كالذي يتم إرضاعه بالحليب الصناعي المضاف له سكريات ما يؤثر على مضاعفة الخلايا الدهنية في جسده وبالتالي فسينشأ طفل جسده لديه مقاومة للأنسولين للأبد، علما بأن مقاومة الأنسولين تصيب الإنسان بإدمان الطعام وعدم الوصول لنقطة الشبع كما تقلل مستويات الحرق وتخزن الدهون على الكلى. وتورث المريض ضعفًا في النظر، عدا الأمراض الجلدية، وضعف التركيز وقد تؤدي إلى تكيس المبايض لدى الاناث. عدا التأثير على عمل الغدة الكظرية ما يدهور الوضع الصحي برمته لمريض السمنة.
ما سبق يجعل من السفه مقارنة من نجح في خفض الزائد من وزنه خلال شهرين لأن زيادة وزنه كانت طارئة لمكوثه في البيت التزامًا بالإجراءات الاحترازية وبين آخر يُعاني لعقود لظروف متشعبة، ثم يأتي سفيه يَحكم عليه في إطار مقاييس حداد «لسرير بروكرست».

داليا الحديدي