كتاب وأراء

التنمر وغريزة القطيع

رشا عمران
كاتبة سورية
لا يمكن لأحد معرفة ما إذا كان التنمر على شكل (المرأة) تحديدا من طبيعة الشعوب العربية، وكان متواريا ومخفيا قبل أن تتيح له وسائل التواصل الاجتماعي الظهور بكل (وقاحته)، أم أنه نتاج ظاهرة وسائل التواصل، حيث يحدث أحيانا ما يشبه غريزة القطيع في تبني موقف أو رأي ما تجاه حدث أو ظاهرة محددة، كأن يكتب أحدهم منشورا ما ينتقد فيه شخصية مشهورة فتجد خلف المنشور مئات التعليقات التي تتبنى الانتقاد نفسه، وغالبا لا يكون المعلقون يعرفون شيئا عن تلك الشخصية، حدث هذا كثيرا بخصوص أدونيس مثلا، يكتب سوري ما منشورا ضدا أدونيس ينتقد فيه موقفه من الثورة، معتبرا كل ما كتبه أدونيس لا يساوي شيئا، وغالبا ما يكون كاتب المنشور أحد قراء أدونيس في السابق وأحد مريديه، لكن (الأيديولوجيا) طغت على موضوعية الرأي، وسرعان ما يستدعي منشوره ذاك مئات التعليقات التي تشتم أدونيس وتسفه كل ما كتبه، من مجموعة من المراهقين الذين لا يتجاوزون عشرينياتهم، ممن لم يتح لهم السماع بإسم أدونيس قبلا سوى من وسائل التواصل التي تتحدث عن رأيه بالثورة، وغالبا ما يكون هؤلاء أصلا غير معنيين بالثورة إلا من خلال (الطائفة) التي ينتمون لها، أو من خلال حصلهم على لجوء في دولة أوروبية ما، هذا لا يمكن إدراجه سوى تحت بند غريزة القطيع، التي يعتمد عليها أذكياء في تشكيل رأي عام حول قضية ما، ونجحت جدا مع انتشار وسائل التواصل الإجتماعي، وللأسف كانت سببا مباشرا من اسباب الثورة المضادة التي حدثت في سوريا خلال السنوات العشر الماضية.
وفي المقام ذاته، يحدث التنمر تجاه شخصية عامة ما، حيث يطال التنمر شكل أو سن تلك الشخصية المشهورة، فمثلا، كانت غالبية الشتائم التي طالت الراحلة نوال السعدواي تتعلق بشكلها وبسنها بعد ان تقدم بها الزمن، ومعظمهم لم يعرف عن نوال السعداوي سوى أنها ( مناصرة للمرأة وضد الرجل وبالتالي هي معادية للإسلام) هؤلاء لم يقرؤوا حرفا لنوال السعداوي ليفندوا أفكارها بالحجة، وأساسا ليست لديهم ثقافة المحاججة والنقاش، لا يملكونها، ويشعرون أن عليهم واجب إثبات حسن ( تدينهم) للمجتمع الذي ينتمون له، فيبدؤون بإطلاق الشتائم واستخدام الشكل (الذي وهبه لها الخالق) للإساءة لها، دون أن يدركوا أنهم بذلك يتنمرون على إرادة الخالق الذي يظنون أنهم يدافعون عنه.
نتذكر جميعا التنمر الذي طال المطربة الراحلة صباح، التي عاشت طويلا وحاولت جاهدة الحفاظ على شيء من شبابها باستخدام عمليات التجميل، التي شوهت شكلها، كان التنمر والشتائم التي تطالها لأنها أرادت البقاء شابة، ولأنها ( لا تعترف بسنها ولا تحترمه) ولا تحترم (إرادة الخالق وخلقته)، وهو ما يكشف عن تناقض مريع في تركيبة الذهنية العربية التي ترى نفسها وصية وقيمة على سلوك الآخرين إلى حد التدخل في حياتهم واشكالهم وأعمارهم، وكل ذلك تحت ذريعة (التدين قيم المجتمع الدينية)، وكأن التنمر والنميمة والحشرية والشتائم هي قيم عالية وأخلاقية يجب استخدامها للدفاع عن المجتمع.
ومع ذلك يمكن القول أن الشخصيات التي ذكرناها هي شخصيات إشكالية، سواء في أفكارها أو نمط حياتها وسلوكها، وهو ما يجعل (الدهماء) يتمادون في التنمر أو الانتقاد أو الشتائم، لكن ما معنى ما حدث خلال الأيام الماضية مع صورة سلفي بسيطة للسيدة فيروز مع ابنتها ريما ؟ الصورة نشرتها ريما على حسابها الشخصي، وهي مأخوذة بطريقة السلفي، تجمعها مع والدتها، بدون رتوش، بدون فلترة، بدون تزيين، صورة عادية وطبيعية، تشبه السيدة الكبيرة فيروز ببساطتها وعفويتها، فيروز التي تجاوزت الآن الخامسة والثمانين من عمرها، والتي قضت حياتها بعيدة عن الظهور العام خارج حفلاتها، وأبقت حياتها الشخصية بعيدة عن التداول، فيروز التي إن باهى العصر العربي الحديث بشيء فسوف تكون هي في مقدمة ما نباهي به، هذه العظيمة التي هي بمثابة أوكسجين الجمال والرقي لملايين البشر، التي أبهجت قلوب محبيها في صورتها الأخيرة، فهي ما زالت بخير ومازالت قادرة على الابتسام، فيروز هذه نفسها كانت عرضة في الأيام الأخيرة الماضية للسخرية من شكلها ومن تقدمها في السن، من قبل من يسحبون أوكسجين الحياة دون أن يعطوا للحياة أي شيء سوى المزيد من التفاهة والتخلف والقباحة، هؤلاء الذين وصفوا فيروز بـأنها قبيحة الشكل هي وابنتها، المتنمرون المتعجرفون التافهون، هم المثال الواضح عن القطيع الذي يستخدم من قبل أذكياء، إذ يدرك هؤلاء الأذكياء أن عقول هؤلاء لا يتم استخدامها مطلقا، فيركزون على الغرائز لديهم ويتلاعبون بها، لم يخف محبو فيروز عليها من هذه الهجمة، فقيمتها أكبر بكثير من كلام رعاع فيسبوكي، لكن ما حدث ليس سوى دليل آخر على ما نعيشه نحن العرب من (انحطاط) جمالي وأخلاقي وفكري، ولعل هذا يثبت أن فشل الربيع العربي ليس سببه فقط الأنظمة وداعميها، بل نحن أيضا، الشعوب، التي وصلت خلال العقود الماضية إلى درجة من التراجع على المستوى الأخلاقي لا تنفع معها ثورات كالتي حدثت.

رشا عمران